• الأحد 28 ربيع الأول 1439هـ - 17 ديسمبر 2017م

إخضاع «الإنسانيات» لمنطق العلم ومنهجه

الخروج على الأيديولوجيا..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 أغسطس 2017

حنا عبود

كيف ينشأ المفهوم؟

يرى مونتين Montaigne، من روّاد المشككين في المقاصد الإنسانية، أن الإنسان وحده يضع المفاهيم المغلوطة، بسبب جشعه ونزوعه العدواني واضطرابه النفسي وعدم الثبات على صيغة تعايش، ففي كل عصر هناك تبدل وتغيّر، بينما المخلوقات الأخرى تصل إلى المفهوم من تجاربها المادية، ويبقى هذا المفهوم ثابتاً دائماً. كما إن اللغة الإنسانية تربك المفاهيم، مع تطورها، بينما لغة الحيوان ثابتة. ومونتين يشك شكاً شديداً في ضمير الإنسان، ويرى أنه يسكَ  ضميره، كما تسكّ  العملة، بحسب مصالحه المادية المتغيّرة، وإلا ما الداعي لإراقة الدماء منذ أيام قابيل وحتى اليوم؟ وما «العقل» الذي يفخر به البشر سوى «مصلحة» في الأمور الملموسة، و «تضليل» في الأمور المجردة من أجل المصلحة أيضاً، فهل يصلح هذا المخلوق لوضع المفاهيم؟ ومونتين ليس وحيداً في هذا الباب، فهناك لاروشفوكولد وماكس شتيرنر وتشيرنيشيفسكي وهرزن.

مفهوم العَلمانية

انتشر مفهوم العلمانية واستخدم كثيراً في العصر الحديث. وتشير الكلمة إلى الأمور الخاصة بالعالم، بالواقع، بالأشياء الملموسة، من دون أي مفهوم ديني، أو معتقد، أو تخيّل، أو أيديولوجيا... إنها معالجة الأشياء بحسب طبائعها، من دون إضافة أي شيء إليها. والكلمة ترجمة للكلمات الأوروبية التي لم يجر تداولها قبل القرن السابع عشر، على أقل تقدير. من هذه الكلمات: secularism- laicism- temporal- mundane&hellip... وهي كلمات بمعنى «أرضي» «زمني» «دنيوي»... خارج مظلة الدين، مع أن الدين لا يعتقد بوجود شيء خارج مظلته.

العلمانية فيما يخص الإنسان تعني حقاً الزمني والأرضي والدنيوي والأهلي...، أما فيما يخص الأشياء فهناك العِلمانية... العَلمانية مختصة بمعالجة قضايا البشر، فنقيضها هو الإكليريكية أو الدينية أو اللاهوتية... الخ. لكن من باب آخر لا ينظر العَلمانيون إلى المفهوم باعتباره خاصاً بالعالم (أي البشر) من دون الأخذ بالعلم، فلا بد من إخضاع «الإنسانيات» لمنطق العلم ومنهجه. فالمعالجة من منطلق عقائدي، حتى لو كان إلحادياً، سوف تفشل، لغياب الحيادية والموضوعية. إن إدخال العلم في العالم الإنساني هو من أهم شعارات العَلمانية، ويقصد بها الابتعاد عن المصالح الخاصة. السؤال الآن: هل تتحقق العلمانية بعيداً عن المنازع البشرية، من طمع وجشع، وأيديولوجيات تسلطية ومعتقدات فردية...؟ أين هي هذه العلمانية في التاريخ؟... قد يقال إن الموسوعيين الفرنسيين حققوا ذلك، ولكن بالإمعان أكثر فيما كتبوه نرى أنهم يخدمون عقيدة إلحادية، ويوجهون الشؤون الإنسانية بناء على متطلبات هذه العقيدة، تماماً كما اتهموا الكهنوت بأنه عالج قضايا الإنسان من عقيدة مسبقة... إننا هنا نتذكر مونتين كثيراً... ثم إن هناك مشاكل وتشابكات كثيرة، فهل العلمانية خاصة بالدولة؟ ألا تخص المجتمع المدني مثلاً؟ وكيف يمكن لدولة أن تكون علمانية، وجميع مواطنيها متدينون أشد التدين، ويتبعون الأوامر والنواهي الدينية وليس الدنيوية، أو الزمنية أو الأرضية...؟ فرجل الدين لا يزال موضع مشورة...

في العصر الميثولوجي ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا