• الأربعاء غرة ذي الحجة 1438هـ - 23 أغسطس 2017م
  12:22     وزير خارجية تركيا يقول إنه سيبلغ مسؤولين خلال زيارة لأربيل أن قرار إجراء الاستفتاء خطأ        12:37     البحرية الأمريكية تعزل قائد الأسطول السابع    

السفير العتيبة والظلام العربي

هذه هي العلمانية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 أغسطس 2017

هاشم صالح

أعترف بأنه آلمتني، بل وجرحتني بعض ردود الفعل على تصريحات سفير الإمارات العربية المتحدة في واشنطن يوسف العتيبة. قلت آلمتني وجرحتني، ولكنها لم تفاجئني على الإطلاق. وهي تصريحات لا يمكن أن تصدر إلا عن شخص متنور ومسؤول يعرف كيف يخاطب العالم المتحضر. ولكن المشكلة هي أن الجهل طاغ وعام في عالمنا العربي. فهم يتوهمون أن العلمانية تعني الإلحاد والانفصال عن الدين أو التخلي عن الإسلام! وهنا تكمن البلية العظمى. هنا تكمن الكارثة الفكرية. إنهم لا يعرفون أن العلمانية شيء/&rlm&rlm والإلحاد شيء آخر مختلف تماماً.

الإلحاد يا سادة يا كرام هو تلك الأيديولوجيا المادية الشيوعية التي فرضها جوزيف ستالين على الاتحاد السوفييتي طوال سبعين سنة قبل أن تنهار عام 1989 لحسن الحظ. كانوا يمنعون الناس بالقوة من الذهاب إلى الكنائس المسيحية لتأدية الفرائض الدينية. فهل يوجد بلد علماني في العالم يمنع الناس من الصلاة؟ حتى فرنسا المشهورة بعلمانيتها الصارمة لا تمنع أحداً من الذهاب إلى الكنائس، ولكنها لا تجبره على ذلك بطبيعة الحال. فحرية التدين مضمونة تماماً في بلد فولتير وفيكتور هيغو والأنوار الفرنسية. وأكبر دليل على ذلك أنه يوجد ما لا يقل عن ألفين وخمسمائة مسجد في أنحاء فرنسا كلها. فلماذا لا يغلقوها ويمنعوا الناس من الصلاة فيها؟ نقول ذلك وبخاصة بعد التفجيرات الأخيرة التي أدمت باريس ونيس وسواهما. وهناك أيضا بالطبع معابد للبوذيين وأخرى لليهود. وكلها مفتوحة أمام من يرغب في تأدية الشعائر الدينية. ولذلك رجاء فرقوا بين الدولة العلمانية/&rlm&rlm والدولة الإلحادية. لا مجال للمقارنة. هناك فرق بين السماء والأرض.

أضيف بأن الدولة العلمانية هي وحدها التي تسمح لجميع المواطنين بممارسة شعائرهم الدينية وليس فقط لأبناء دين الأكثرية أو مذهب الأغلبية. وهنا يوجد فرق مهم آخر ولكن هذه المرة بين الدولة العلمانية/&rlm&rlm والدولة الأصولية. فالثانية لا تعترف إلا بدين واحد في الدولة وتقمع كل الأديان والمذاهب الأخرى وتضطهد أتباعها. بل وتمنع تشييد كنائس على أراضيها. وأعتقد أن السفير العتيبة كان يقصد ذلك ضمناً. كان يريد أن يقول للعالم كله: نحن لسنا أصوليين متزمتين مكفِّرين لجميع الأديان والعقائد الأخرى. نحن نؤمن بالتعددية العقائدية والدينية مثلكم يا أبناء العالم المتحضر العلماني. نحن أيضا نسمح للكنائس المسيحية بأن تفتح أبوابها في بلادنا مثلما تسمحون أنتم للمساجد الإسلامية الكبرى بأن تشمخ في بروكسل وباريس وروما وواشنطن وبقية عواصم الغرب. هذا ما كان يقصده العتيبة. فإذا بهم يفهمون كلامه خطأ في خطأ. كان يريد الدفاع عنا وعن ديننا الإسلامي الحنيف عن طريق إبراز عظمته وتسامحه وانفتاحه على الآخرين. وكان يريد أن يبعد عنا تلك الصورة السوداء التي شوهتنا في شتى أنحاء العالم والقائلة إن الإسلام دين متعصب يمنع الآخرين من بناء أماكن عبادة لهم على أراضيه وتأدية شعائرهم الدينية. فبدلاً من أن نشكره على هذه الخدمة الجليلة التي قدمها لنا كعرب وكمسلمين إذا بنا ننهال عليه هجوماً عنيفاً وأحياناً مقذعاً! يا أمة ضحكت من جهلها الأمم..

إن كلام السفير العتيبة يتوافق تماماً مع نص القرآن الكريم في آيات بينات. ولكنه يتناقض كلياً مع فتاوى شيوخ عصر الانحطاط والظلام. فهل كلام مشائخهم أهم من القرآن؟ ينبغي أن يجيبونا عن هذا السؤال. القرآن هو المرجعية العليا التي تعلو ولا يعلى عليها. والقرآن بصريح العبارة يسمح بالتعددية الدينية ويخلع عليها المشروعية الإلهية. هل تريدون أمثلة على ذلك؟ إنها عديدة. من بينها هذه الآية المنقوشة على مدخل جامع كريتيه في ضواحي باريس حيث طالما توقفت عنده لكي أشرب القهوة في مكتبة ابن رشد التابعة له. تقول الآية الكريمة: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).

وهناك آية أخرى أكثر وضوحاً: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

الذين آمنوا يعني المسلمين، والذين هادوا اليهود، والنصارى المسيحيين، والصابئة عبدة الكواكب. كلهم يعترف بهم القرآن ويذكرهم بالاسم. وبالتالي فالتعددية الدينية مشروعة بصريح القرآن العظيم. وينبغي أن تكون هناك كنائس في كل مكان يوجد فيه مغتربون مسيحيون بعدد كاف. ولكن للأسف لاتزال هناك بعض البلدان تمنع ذلك على أراضيها. وربما كان السفير العتيبة يشير إلى ذلك ضمنا ويعتبر أنه سيتغير مستقبلا. وبالتالي فهو لا يقصد الابتعاد عن الإسلام بأي شكل، وإنما يقصد أن الفهم الصحيح للإسلام سوف ينتصر قريباً على الفهم الخاطئ السائد حالياً. هو يحلم بأن يصبح الإسلام في منطقة الشرق الأوسط بعد عشر سنوات تنويرياً ليبرالياً لا إخونجياً ظلامياً. فما العيب في ذلك؟ جميعنا يحلم بذلك ويتمناه. وهذا هو جوهر الإسلام أصلاً. هكذا كان إبان العصر الذهبي المجيد من عمر الحضارة العربية الإسلامية. وبالتالي فلا داعي لكل تلك الزوبعة التي أثارتها تصريحاته. وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أنه أصاب مكسر العظم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا