• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

خبز وورد

«وسمية» و «صفية»

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 24 مايو 2014

مريم جمعة فرج

بين «وسمية» و«صفية» بطلتي الأديبة الكويتية القديرة «ليلى العثمان» 27 عاما، أي أن إحداهما ولدت روائياً قبل الأخرى. لكن أثناء قراءة رواية «حكاية صفية» الصادرة منذ سنة تقريبا تذكرت رواية «وسمية تخرج من البحر» أول عمل قرأته لليلى العثمان سنة1987 فشعرت بأن صفية هي وسمية ووسمية هي صفية بعدما كبرت وصارت تقاوم حتى الموت. قراءة وسمية في الثمانينيات أشعرتني بالألفة وبالأجواء والمناخات المشتركة التي تعيشها المرأة ليس في الكويت فقط، وإنما في كل أنحاء المنطقة. وبالطبع فإن لليلى العثمان أسلوبها الواضح المباشر والصريح، وهو ما يشعرك بالألفة ليس مع شخوصها فقط، بل ومع الكاتبة التي يتسع صدرها لكل ما هو إنساني.

يلفت نظرك في أعمال ليلى العثمان انحيازها للإنسان بكل تجلياته وليس للمرأة فقط. فحتى في تركيزها على موضوعات تتعلق بالمرأة، تجدها تناقش هذه الموضوعات من وجهة نظر إنسانية بحتة، عندها تشعر بأن ما تعنيه هو المجتمع بأكمله وليس فردا من أفراده، تتساوى إخفاقاتها بإخفاقات الآخرين، كل المؤسسة الاجتماعية، كل الهيمنة الذكورية، كل ما يمثل سلطة، من الأب إلى الأخ إلى القوانين إلى العادات والتقاليد. يشترك الجميع في المشكلة.

وسمية وصفية امرأتان تستدعيهما ليلى العثمان من الذاكرة، ذاكرة الكويت القديمة، تنشآن في أجواء اجتماعية مؤطرة بالثراء المادي والحفاظ على التقاليد المتوارثة. وعلى العكس من «نادية» الشخصية الرئيسية في رواية «صمت الفراشات» 2007 التي تضحي بها أسرتها الفقيرة من أجل المال، تعيش كل منهما حياة يتوفر فيها كل شيء إلا الإحساس بالسعادة. وفي سياق الأجواء الداخلية لهاتين الشخصيتين يعيش القارئ، ليقف على إحساسها بالقهر ورغبتها في الخلاص.

كل من وسمية وصفية تحب البحر، هو الحلم الذي تتوق إليه ذاتيهما، كما يمثل حالة انعتاق لروحيهما الخارجتين من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الأنوثة الكاملة، التواقتين للحب. وعندما تشعر وسمية بأنه الكائن الوحيد الذي سيبارك العلاقة بينها وبين عبدالله فهو «وحده مخبأ الأسرار» تتسلل إليه ليلا فيطمئنها الأخير قائلا « لا تخافي. لن يرانا إلا البحر. ألست بشوق إليه؟ تجيب طبعاً. أريد أن أراه في الليل. يضيف «سترينه.. ستنبتين فيه لؤلؤة ... وتمتدين سحابة.. تسأله »هل أصدق أنني سأراه؟ أريد سمكة واحدة ملونة.. تشبهني .. وتحبك«. إلا أن البحر يستغل لحظة ضعفها أمامه فيغرقها فيما هي تهم بالاختباء في جوفه خوفا من دورية الليل.

بينما «صفية تحب البحر.. هو يوم حريتها من أعمال البيت، تركض على الرمل متسابقة مع البنات ثم تنحرف إلى صفوف الأولاد وكلها رغبة أن تسابق سعود ذا العينين الباهرتين». وفيما يغدر البحر بوسمية الضعيفة الحيلة، تستغل صفية مشاعر التمرد والرغبة في الخروج على المرجعية الأخلاقية السائدة فتنطلق إلى أبعد الحدود لتنجو من الموت على يد أبيها أكثر من مرة، وعندما تخرج من السجن بعد ثلاثين سنة تعود إلى البحر فتجده «طيعاً لها. يتناثر الزبد وتركض إليه تجمعه بين يديها، تمشطه ثم تفك جدائله وترش ظمأها عليه وكأنه جسد رجل محرم”. والواقع أنك في الروايتين تجد كلا من البطلتين في الأخرى ومعهما شخصيات أخرى، حيث بالنسبة لليلى العثمان الحب لا يمكن السيطرة عليه.

m_juma@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا