• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

هل يكمن سرُّ اخضرار البيئة الإبداعية وانفتاحها في الأشجار المحلية؟

كيف نزرع في الثقافة.. الغابة المفقودة؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 24 سبتمبر 2016

نوف الموسى (دبي)

يصعب عادةً أن تجعل المثقفين يتحدثون عن التربة أو الزراعة، وهم يناقشون مسألة فلسفية كموضوع انتهاك الحريات في نشر الأعمال الأدبية، أو الاستهانة بتبرير القتل في أغلب المحافل الدولية، أو البحث الدائم عن فوضى السلام، أمام كم التنظيم الموجه للكراهية، أو الاستنزاف المسكون بأن المثقفين هم فقط من يملكون الحقيقة، رغم أنها حق كوني يتسم بالتفرد.

لذلك، قبل المضي نحو الانشغالات الأسوأ في حياة المثقفين، من يتصدرون واجهة المشاركة في صناعة البيئة الإبداعية، نود التوقف قليلاً، ونجرب عملية «تجريد» المثقفين من همّ المسؤولية غير المقنعة، فالمهمة المركزية للمثقفين هي «متعة» الدعم الفطري والوجودي للجمال، كدراسة أثر البيئات الطبيعية، وإلزام حضور «الغابة المفقودة»، في حياة المبدعين اليومية، التي وصفها شبهيندو شارما، رائد أعمال في تسهيل زراعة غابات احترافية، بأنها جزء لا يتجزأ من وجودنا الحضاري.

إن مناقشة التربة، لا تقدم استراحة مجانية للمثقفين من عبث الفكر المتشظي فقط، بل تعيد إلى المثقفين والمبدعين سحر الحياة الداخلية للإنسان، فالطبيعة وحدها هي التي تعكس الموارد الطبيعية وتعيد إنتاجها، وهو مفهوم أساسي للآلية الإبداعية، وحاجة المثقفين لفهم البيئة الطبيعية وزراعة الغابة «نموذجاً»، هي بحجم أهمية الإسهامات الإبداعية العظيمة.

المثير في حديث شبهيندو شارما، قوله: «إن أغلب العالم الذي نعيش فيه اليوم كان عبارة عن غابات، قبل تدخل الإنسان»، مفسراً آليات زراعتهم للغابات: «لعمل غابة نبدأ بالتربة. نلمسها ونشعر بها، بل حتى نتذوقها لنتعرف على ما تفتقده من خصائص. إذا ما كانت التربة تتكون من جزيئات صغيرة فهي تصبح متضامّة متضامّة جداً، بحيث يصعب دخول الماء فيها. لذلك، نقوم بخلط كتلة حيوية محلية متوافرة في الجوار، مما يساعد على تسرب الماء فيها. وإذا لم يكن للتربة القدرة على حفظ المياه، حينها نخلط المزيد من الكتلة الحيوية مع مواد تعطي التربة نفاذية أكثر مثل الخث، فتستطيع التربة حفظ الماء وتبقى رطبة».

يقودنا هذا الحديث إلى تشبيه ممارسات (التربة) بأشكال التعاطي في البيئة الثقافية والإبداعية، فيا ترى ما هي طبيعة تربة البيئة الإبداعية المحلية المتشكلة ضمن تراتيب (تربة) التكوين لدى المبدعين أنفسهم؟، ولن نعلم ذلك، طالما أن المثقفين يتجنبون تعميق مسألة فهم الزراعة، ما يؤهلهم أكثر لدراسة خصائص التربة العامة، في المجتمع الإبداعي، بل ويدعم مسألة «التطعيم» بموارد طبيعية. ففي مجال زراعة الغابات، يقوم المتخصصون باستعراض أنواع الأشجار المحلية متبعين القاعدة البسيطة وهي: «كل ما هو موجود دونما تدخل الإنسان هو محلي»، ويوضح شبهيندو شارما بأنهم يذهبون لمشاهدة حديقة وطنية، ليجدوا آخر بقايا غابة طبيعية، ويستعرضون الغابات المقدسة حول المعابد القديمة. وإذا لم يجدوا شيئاً على الإطلاق، ينطلقون باتجاه المتاحف لرؤية بذور أو خشب الأشجار الموجودة هناك منذ زمن طويل. ويبحثون في اللوحات القديمة والقصائد والأدب المنتمي لذلك المكان، ليتعرفوا بذلك على أنواع الأشجار المنتمية إليه». وثقافياً، لا نود عرض «مغالطة» تقسيم الثقافة المحلية بين ما هو عربي وعالمي، وإنما التأكيد على مسألة البدء من الذات، بمعنى ما هو داخلي جداً في الإنسان نفسه، وربطه بالامتداد الساحر للبيئات الإنسانية.

من أهم قواعد زراعة الغابة، هي عدم إضافة المغذيات مباشرة إلى التربة، باعتبارها ضد الطبيعة، وما يحدث في الثقافي، بطبيعة الحال، هو الإمداد المهول لكمّ المغذيات على حساب المنتج الإبداعي، فهل يعي المثقفون هذا التوجه، كونه علمياً يعد عملاً شاذاً عن الطبيعة، حيث يفضل العاملون في زراعة الغابات إتاحة الفرصة للبكتيريا لإنتاج المواد المغذية في التربة إنتاجاً طبيعياً، لكي تتنفس التربة مجدداً. فهل يدرك المثقفون الفرق بين البكتيريا الطبيعية والمغذيات الصناعية، في استراتيجية صناعة البيئة الثقافية والجمالية؟!

هل مر عليك يوم، وسمعت فيه فيروز تتغنى بزهر البيلسان عبر أغنية «وحدن»، ولم تتجلَّ أمامك صورة تلك الغابة، التي بث فيها الشاعر طلال حيدر، أبهى صور الرحيل والبقاء على أبواب الزمن، هناك حيث الوطن يُقطف مثل غيمة! وتقول جارة القمر: «وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان.. وحدهن بيقطفوا أوراق الزمان، بيسكّروا الغابي، بيضلهن متل الشتي يدقوا على بوابي، على بوابي».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا