• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

رؤية محمد بن راشد تتجاوز الفهم التقليدي لفلسفة الزمن

صانع الحداثة وما بعدها...!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 11 مايو 2015

عادل خزام

إذا كانت الحداثة في تعريفها المبدئي هي تحديث وتجديد ما هو قديم، فإنها في فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تعني تحديث ما هو حديث أصلاً وتجديده باستمرار، وهي رؤية سباقة تتجاوز الفهم التقليدي لفلسفة الزمن. وكلمة سموه الشهيرة (المستقبل يبدأ اليوم وليس غدا) تؤكد هذا البعد في فكر سموه الذي مارسه وطبقه في جميع المجالات. ذلك لأن صناعة الحداثة لا تقتصر على المنحى الثقافي فقط، بل تتجاوزه إلى جميع الاطر الحياتية. كذلك فإن مفهوم الحداثة عندما أطلق في أوروبا القرن الخامس عشر، كان يشمل مجموعة التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلى جانب الثقافة. وهذا ما أحدثه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عندما امتد أثر التغيير الذي أحدثه إلى جوانب كثيرة في حياتنا العربية، في الفكر والاقتصاد والإدارة وصولا الى أبسط الممارسات اليومية التي يقوم بها الانسان في تعاملاته مع اشياء وتحديات الحياة.

أيضا يمكن استقراء فهم سموه لموضوع الزمن من عدة أبواب، ذلك لأن تركيز صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على ثيمة الفوز بـ (المركز الأول) دائما، تحمل ضمنيا، ضرورة النظر للزمن باعتباره عائقا يجب تجاوزه باستمرار، بيقظة، وبعين مفتوحة، وبذهن وقّاد لا يلين لحظة والا سوف يسبقك الآخرون في غمضة عين. فانت كما يقول سموه (لن تستطيع تخزين الوقت أو إيقافه). ولو كان سموه يقبل بمجاراة الزمن والتوازي معه، لكانت الرؤية تقليدية وجاهزة ومستقرة على حالها، لكنه يطالب دائما بتجاوز الزمن نفسه، بالتسابق معه والفوز عليه، والتقدم دائما بخطوات قبل الآخرين.

أدرك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أن الحداثة ليست شكلا، وليست اختراعا تكنولوجيا، وإنما هي في العمق ثورة فكرية تبدأ من الجذور، من التعليم أساسا، ومن ترسيخ المفاهيم الصحيحة في العقل الذي يمكن له بعد ذلك ان يكون مبدعا وخلاقا. فذهب سموه الى تعزيز قيم المعرفة والعلم والثقافة وأولاها اهتمامه الاول، ونتج عن ذلك، النهوض بالصروح الثقافية الكبيرة في مدينة دبي، فسموه المؤسس الفعلي لندوة الثقافة والعلوم في دبي، وهي جهة ثقافية استطاعت لنحو أربعة عقود أن تقود مسيرة فكرية مهمة وان تتحول الى منبر اشعاع حضاري يطرح فكرة التواصل بين العقول على اختلاف تصوراتها، وأتبع سموه تأسيس الندوة، بمجموعة مبتكرة من المناطق والمدن والقرى المعرفية والتكنولوجية (قرية المعرفة، مدينة دبي للاعلام، مدينة دبي للانترنت) على سبيل المثال، أيضا أطلق سموه المبادرات والمهرجانات الثقافية والفنية والسينمائية التي تعج بها مدينة دبي طيلة العام، في نسيج تتداخل فيه الثقافة مع الاقتصاد والسياحة والاقتراب من الحياة اليومية للناس. وبسبب ذلك امتد أثر سموه عميقا في الحياة الثقافية والاجتماعية، وشهدت المفاهيم التقليدية في الفكر، تغييرات ملموسة وواضحة للاتجاه نحو تحديث رؤيتنا للعالم ولأنفسنا وللآخر المختلف الذي يعيش بيننا ومن حولنا. وكان سموه الأول دائما في رعاية مثل هذه الأنشطة التي تتمسك بمنبعها الاصلي، وفي نفس الوقت تحمل طابع الحداثة، وظل سموه ولا يزال، الأكثر حرصا على حضور فعالياتها بنفسه، وقد عملت جميع هذه الفعاليات في مناخ من الانفتاح الواضح على كافة تيارات الفكر، بلا تحيّز الا للفكر الحر والجديد. من دون اغفال عراقة واصالة الطرح وابتعاده عن المغالاة والغموض. وبسبب وضوح هذه الرؤية، انخرط فيها الجميع، من مواطنين ومقيمين عرب واجانب، ونتج عن ذلك بروز ثقافة جديدة أكثر حداثة وأكثر تفاعلا مع الجميع. وانتقل الناس بسرعة من مجتمع غارق في النمطية، الى مجتمع عصري وحديث.

إدارة الحداثة

حاول علماء الاجتماع على الدوام، بناء نظرية فلسفية تتوافر فيها شروط المواطنة والحرية والعدالة، ونتج عن ذلك الفكر طروحات كثيرة عن مدن مثالية منها مدينة (كوسموبولس) كما طرحها ديكارت، لكن ظلت هذه النظريات تفتقر للتطبيق الفعلي والممارسة الحقيقية على الأرض، وبعضها عندما تم تطبيقه ومنها الأطروحات الاشتراكية، جاءت بعكس ما روجت له، وبدلا من العدالة حل الظلم، وبدلا من التطور، تسربت البيروقراطية الى عروق المجتمع وكتمت روح الإبداع فيه. صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أدرك مبكرا هذه الحقيقة، بل شهد بنفسه صعود أنظمة وتهاويها من جديد، ولذلك ذهب لابتكار أسلوب خاص في إدارة المدينة الحديثة. أخذ من معلمه الأول المغفور له الشيخ زايد طيب الله ثراه، فن وحكمة التعاطي مع الناس وإدارة شؤونهم، اعتمادا على فطرة الإنسان البدوي وحكمته التي ورثها من تحديات الصحراء، وتعلم من زايد ايضا النظر الى الأمور نظرة بعيدة جدا، وحساب مستقبل الوطن والأجيال وتمهيد الطريق لهم.

هذه الفكرة العميقة، تبعها سموه بابتكار مناهج في ادارة الحكم وتحديث ممارساته باستمرار. وكانت المنهجية هي سلاحه الأول في تفكيك الأطر البيروقراطية وطرد مفاهيم الكسل والتخاذل وفتور الهمم. فمن خلال المنهج يتحول الفرد الى مبتكر، ومطالب بالابتكار دائما وإلا لن يكون له مكان في منظومة التطور والتحديث والتغيير، والحال نفسه ينطبق على المؤسسة الإدارية، سواء كانت في الثقافة أو الاقتصاد اوالتعليم اوالصحة وغيرها. وقد بث سموه روح هذا التغيير في نسيج مدينة دبي ومنظومتها في العمل والتكامل. ودفع بالمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية خلال فترة قصيرة لتكون في المرتبة الاولى بين نظيراتها الاقليمية، وصارت هذه الممارسات الادارية المنهجية، تقلد ويعاد تطبيقها في مدن تعتبر حديثة جدا مثل سنغافورة وماليزيا، ووصل الأمر ببعض دول أوروبا، أن تطبق هذه المناهج في أجهزتها الشرطية وادارة مؤسساتها. كل هذا جعل من دبي نموذجا يحتذى في ادارة التغيير والمحافظة على استمراره، وأيضا (تحديث الحديث) وهذا ما ذكرناه سابقا عن رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لمعنى الحداثة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف