• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

لا طاعة في الشرك والسوء

الإحسان إلى الوالدين.. أمر من الله للإنسان ووصاية ببرهما

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 23 سبتمبر 2016

أحمد محمد (القاهرة)

لما أسلم سعد بن أبي وقاص، قالت له أمه: يا سعد، بلغني أنك صبأت، فوالله لا يُظلني سقف بيت من الضح والريح، ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد وترجع إلى ما كنت عليه. وكان أحب ولدها إليها، فأبَى سعد، فصبرت ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل بظل حتى غُشي عليها، فأتى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشكا ذلك إليه، فأنزل الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ)، «العنكبوت: 8 - 9».

قال سعد: كنت بارّاً بأمي فأسلمت، فقالت «لتدعَنَّ دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتُعيَّر بي ويقال يا قاتل أمه»، وبقيت يوماً ويوماً، فقلت «يا أمّاه لو كانت لك مئة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا، فإن شئتِ فكلي وإن شئتِ فلا تأكلي».. فلما رأت ذلك أكلت، ونزلت هذه الآية.

قال الطبري، يقول تعالى ذكره: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ...)، فيما أنزلنا إلى رسولنا بوالديه أن يفعل بهما حسناً، (...وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا...)، يقول ووصينا الإنسان فقلنا له إن جاهداك والداك لتشرك بي ما ليس لك به علم أنه ليس لي شريك، فلا تطعهما فتشرك بي ما ليس لك به علم ابتغاء مرضاتهما، ولكن خالفهما في ذلك، إليّ مرجعكم، معادكم ومصيركم يوم القيامة، فأُخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال وسيئاتها، ثم أجازيكم عليها المحسن بالإحسان، والمسيء بما هو أهله.

وقال الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير»، لم يترك القرآن فائدة من أحوال علائق المسلمين بالمشركين إلا بيّن واجبهم فيها المناسب لإيمانهم، ومن أشد تلك العلائق علاقة النسب، فالنسب بين المشرك والمؤمن يستدعي الإحسان وطيب المعاشرة، ولكن اختلاف الدين يستدعي المناوأة والمغاضبة لا سيما إذ كان المشركون متصلبين في شركهم ومشفقين من أن تأتي دعوة الإسلام على أساس دينهم، فهم يُلحقون الأذى بالمسلمين ليُقلعوا عن متابعة الإسلام، فبيّن الله بهذه الآية ما على المسلم في معاملة أنسبائه من المشركين، وخص بالذكر منها نسب الوالدين لأنه أقرب نسب، فيكون ما هو دونه أولى بالحكم الذي يشرع له.

والمقصود من الآية هو قوله: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي) إلى آخره، وإنما افتُتحت بـ(...وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا...)، لأنه كالمقدمة للمقصود ليعلم أن الوصاية بالإحسان لا تقتضي طاعتهما في السوء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

والمراد بالعلم في قوله «ما ليس لك به علم»، العلم الحق المستند إلى دليل العقل أو الشرع، أي أن تشرك بي أشياء لا تجد في نفسك دليلاً على استحقاقها العبادة كقوله تعالى: (... فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...)، «سورة هود: الآية 46».

وقال السعدي: يقول الله أمرْنا الإنسان «ووصيناه بوالديه حسناً»، أي ببرهما والإحسان إليهما بالقول والعمل، وأن يحافظ على ذلك، ولا يعقّهما ويسيء إليهما، «وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم» وليس لأحد علم بصحة الشرك بالله، وهذا تعظيم لأمر الشرك، فلا تطعهما «إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون» فأجازيكم بأعمالكم، فبروا والديكم وقدموا طاعتهما إلا على طاعة الله ورسوله، فإنها مقدمة على كل شيء.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا