• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

بريطانيا بعد الانتخابات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 11 مايو 2015

آدم تايلور*

كان يُفترض في الانتخابات البريطانية أن تنطوي على التشويق حتى آخر لحظة، وألا تكون نتيجتها حاسمة كما تنبأت بذلك استطلاعات الرأي، ما سيترك المستقبل السياسي للبلد غير واضح وغائم المعالم، لكن أي شيء من ذلك لم يحدث، فقد جاءت نتائج الانتخابات حاسمة في تحديد الفائزين والخاسرين، لذا من المهم بعد انقشاع غبار النتائج واستقرار الأمور أن نفكر فيما تعنيه الانتخابات الأخيرة بالنسبة لمستقبل بريطانيا، لاسيما وأن نتائجها لم تأتِ كما كان متوقعاً، بل تحمل تغييرات مهمة يمكن إجمالها في خمس قضايا أساسية ستميز الحياة السياسية البريطانية في الفترة المقبلة، أولها أن نظرة ديفيد كاميرون بشأن التقشف المالي حظيت بتفويض إضافي مع الانتخابات الأخيرة، فقد كانت إحدى أهم النقاط المحددة لسياسة ديفيد كاميرون وحكومته المحافظة على مدى السنوات الماضية الانضباط المالي والحد من الإنفاق العام، رغم ما أثارته من جدل وأحدثته من انقسام داخل المجتمع البريطاني. ومع أن كاميرون أصر منذ انتخابات 2010 على ضرورة التقشف باعتباره أفضل السياسات الاقتصادية القادرة على تقليص العجز، فإنه كان دائماً هناك شعور بأنه لا يمتلك التفويض السياسي الضروري للاستمرار في سياسته، لاسيما وأن المحافظين لم يحوزوا على أغلبية مطلقة في انتخابات 2010 واضطروا للدخول في تحالف مع الليبراليين الديمقراطيين.

لكن اليوم، ومع الأغلبية الواضحة في مقاعد البرلمان التي حصل عليها المحافظون، حازت سياسة التقشف دعماً شعبياً إضافياً، أما القضية الثانية التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة فهي الاستقالات المتتالية لكبار السياسيين الذين منوا النفس بأداء أفضل لم يتحقق. فقد تعرض الليبراليون الديمقراطيون لهزيمة ساحقة بعدما خسروا العديد من المقاعد ولم يحوزوا سوى ثمانية منها، الأمر الذي دفع «نيك كليج» إلى الاستقالة، ثم أعقبه الأداء المتواضع جداً لحزب العمال، فرغم الاعتقاد الذي سبق الانتخابات بقدرة «إيد ميليباند» على تدارك الضعف الحزبي وتحقيقه لاختراق مهم، جاءت النتائج مخيبة للآمال ليجبره ذلك على تقديم استقالته. هذا ولم يكن حظ زعيم حزب الاستقلال اليميني، نايجل فاراج، أفضل حالا، إذ رغم تصويره لنفسه في الحملة الانتخابية بأنه الشخص الأقرب إلى هموم الإنسان البريطاني العادي والأقدر على تمثيله، سارت النتائج في غير هذا المنحى، الأمر الذي دفعه للتنازل والاستقالة، لاسيما وأنه لم يفز حتى بمقعد الدائرة التي ترشح عنها في الانتخابات ولم يستطع دخول مجلس العموم.

بيد أن التغييرات التي أفرزتها نتائج الانتخابات لم تقتصر على إنجلترا فقط، بل امتدت إلى الزلزال الذي ضرب اسكتلندا بعد الأداء الباهر للحزب القومي الاسكتلندي المطالب بالاستقلال، ليصبح الحزب الوحيد المسيطر على عدد المقاعد المخصصة للإقليم، ولم يعد ينافسه أحد، وفيما استبعد الحزب رجوعه إلى مسألة الاستفتاء على استقلال اسكتلندا وخروجه من المملكة المتحدة، إلا أنه من الصعب تصور عدم وجود تداعيات على الاكتساح الكبير للحزب، إذ من المتوقع أي يضع الحزب، بما هو قوة معارضة كبيرة وأيضاً بتوجهه اليساري المعروف، عراقيل عديدة أمام حكومة المحافظين، هذا ناهيك عن الخسارة الكبيرة لحزب العمال الذي كانت اسكتلندا أحد معاقله التاريخية، بل كانت الخسارة مذلة على نحو أوضح عندما خسر زعيم حزب العمال في اسكتلندا، جيم مورفي، مقعده، فضلا عن مقعد رئيس الوزراء السابق، جوردون براون، الذي فضل التقاعد قبل الانتخابات.

وأخيراً هناك احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كإحدى الإفرازات المحتملة لنتائج الانتخابات. فقد سبق لكاميرون أن قطع على نفسه وعداً بطرح مسألة بقاء بريطانيا في الاتحاد أمام البريطانيين في استفتاء عام سينظم في حال فوزه، في 2017، ورغم أنه لا مؤشرات بعد على أن النخبة في حزب المحافظين تريد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وأن الاستفتاء سيتم بالفعل، إلا أن شريحة مهمة داخل الحزب تطالب بالاستفتاء ولن تسمح بالتراجع عنه. فكيف سيصوت البريطانيون في حال عُقد الاستفتاء؟ الحقيقة أنه من الصعب التنبؤ بجواب محدد، حتى في ظل استطلاعات الرأي التي تقول إن أغلب البريطانيين يفضلون البقاء في الاتحاد، لكن مع ذلك قد تتغير العديد من الأمور خلال الحملة الانتخابية السابقة على الاستفتاء، كما أن توقعات استطلاعات الرأي أثبت، على غرار ما جرى مع الانتخابات الأخيرة، أنه لا يمكن الوثوق بها.

*كاتب متخصص في الشؤون الخارجية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا