• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ميزان العدالة

لغز اختطاف فارس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 23 مايو 2014

كانت عقارب الساعة تشير إلى السابعة مساء قرب موعد أذان المغرب، ولم يعد الصغير إلى المنزل بعد أن انتهى من اللعب مع أقرانه قريبا من البيت في الشوارع الجانبية، حيث يذهب هناك للقاء أصدقائه وزملائه بالمدرسة، اعتادوا ذلك منذ أن انتهى العام الدراسي، يلتقون في أي وقت من النهار، لكن عندما تغيب الشمس لابد من العودة قبل أن يحل الظلام، وثانيا لأن الأسرة تتناول وجبة العشاء في هذا الوقت، والطفل ابن الثامنة يقيم مع أمه في بيت جده بعد أن تم الطلاق بينها وبين أبيه منذ ثلاث سنوات، لكنه يتنقل بينهما، فأبوه يقيم في الشارع الخلفي، ويعطف عليه أحيانا بقطع من الحلوى، وكثيرا ما يقسو ويعامله بغلظة ويأمره بجفاء بأن يعود إلى أمه، لذلك لا يحب الذهاب إليه.

بحث غير مجد

خرجت الأم تسأل الصغار والكبار عنه، لكنها لم تصل إلى جواب شاف من أي منهم، جابت كل شوارع المنطقة الريفية الصغيرة، أرسلت من يسأل أباه عنه ربما يكون موجودا عنده فأجاب بالنفي، ولم يتحرك عنده ساكن وكأن الولد ليس ابنه أو حتى تربطه به علاقة من قريب أو بعيد، واصلت الأم بحثها في كل مكان يمكن أن تصل إليه قدما الصغير، وخرج معها الأهل والجيران يشاركون في البحث عنه، ولكن المحصلة صفر، كلما مر الوقت تزداد ضربات قلبها وتخور قواها وتفقد أعصابها، لا تعرف كيف تتصرف ولا إلى أين ستذهب، المخاوف والهواجس تتلاعب برأسها، تخشى أن يكون قد أصابه مكروه أو غرق في الترعة القريبة من القرية، تحاول أن تبعد هذه الكوابيس عن تفكيرها لكن لا تجد عنها بديلا، بدأت تصرخ وتستنجد بمن حولها بأن يكثفوا جهودهم معها لكن لا حيلة لهم ولا شيء أمامهم يمكنهم أن يفعلوه، عجزوا عن العثور عليه، وأعيتهم الحيل والوسائل، وأخيرا استسلموا للواقع.

الأمر حقيقة في غاية الصعوبة ليس على الأم الضعيفة فقط ولكن على الجميع، فالطفل الصغير “فارس” يعيش حياة صعبة أكثر من الأيتام، فمنذ أن تم انفصال أبيه وأمه وهو يقيم معها في بيت جده، يعطف عليه من حوله بسبب تخلي أبيه عنه تماما، وكأنه ليس ابنه ولا يعنيه أمره بل هو الذي تنازل عنه طواعية، وقد اشترط في وقت الطلاق أن تتولى أمه تربيته وتتحمل مسؤولياته، فوافقت بلا تردد، هو كان يقصد بذلك أن يجعلها لا تتزوج أحدا بعده، وتظل هكذا لأنه لا أحد يقبل الزواج من مطلقة ومعها طفل، حاول أن يفرض عليها قيودا ليحرمها من حقها الطبيعي وهي لم تصل إلى الثلاثين بعد من عمرها، وفي الوقت نفسه هي لم تكن تفكر في الزواج مرة أخرى وتكرار هذه التجربة القاسية مع رجل أذاقها العذاب ألوانا، وتريد أن تتفرغ لرعاية ابنها الوحيد.

موقف غريب

هذا كله يجري والناس مهتمون بالحدث الذي زلزل القرية كلها، والأب يجلس على المقهى الذي يملكه، يقوم برش الماء أمامه ثم يجلس يدخن النرجيلة وينفث الدخان في الهواء غير مكترث بما يحدث، قد يبدو أحيانا أنه يتشفى في زوجته التي تعاني الآن من فقد ولدها، كأنه ابنها وحدها وهي من أعدائه، متناسيا أنه ابنه هو الآخر، لا يعنيه إلا أن يمارس عمله ويتابع المارة أمامه، لم يكلف خاطره ليشارك في البحث عن الطفل، وهذا الموقف ليس غريبا على واحد مثله، فالناس هنا لا ينسون أنه رجل غير متزن في تصرفاته، فقبل أن يقوم بتطليق زوجته، أشاع أن ابنه هذا مصاب بمرض السرطان، ويحتاج إلى مبلغ كبير فوق طاقته للعلاج في الخارج، وأخذ يستجدي الجيران والأهل والأقارب وكل من يقابله، يبكي بدموع التماسيح يريد أن ينقذ فلذة كبده ولا حيلة له إلى ذلك إلا بمساعدة أهل الخير الذين لم يبخلوا عليه بشيء، الصغار قدموا مصروفهم اليومي، والكبار أعطوا بقدر ما يستطيعون، تلك المرأة قدمت المبلغ الضئيل الذي تعيش به ولا تملك غيره، وتحملت الجوع كي تساهم في تكلفة العلاج، وبعد هذا كله تبين أن الرجل كذاب واختلق هذا الموضوع ليجمع المال فقط. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا