• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

حسن شريف.. نسّاج الزمن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 سبتمبر 2016

عادل خزام

مات حسن شريف جسداً، لكن روحه العالية ستظل، كما اعتادت، تنشر رفيفها العذب في رحابة سماء الإمارات، الوطن الذي أحبه حسن، وأخلص لمعانيه وظل ينقش في تربته، ويبذر فيها الجديد دائما. وسوف تبقى سيرته ملاذا للباحثين عن التغيير، وعن التمرّد على سلطة الأفكار الجاهزة التي تجعل من الانسان تابعاً لما يردده الآخرون من غير تمييز ولا إدراك لفحوى ومعنى جوده. وكان الفن، العصا الملوّنة التي حملها حسن شريف لإدخال البهجة وإشاعة السرور في يومياته، متخذا أحياناً صفة التهكم الدائم على كل ما يجري من حوله. وأحيانا صفة الرفض وعدم القبول بالمسلمات. وقادته هذه الأفكار أحياناً ليكون منبوذاً من العامة، ومرفوضاً في المؤسسات التي تُدار بعقول متصلبة. لكن ذلك لم يثنه على مواصلة المسير، والحفر بأظافر صلبة في جدار الظلام ليشقّ نافذة كبيرة للضوء. تكفي كي ينهل الجميع من شعاع شمسها.

وأستطيعُ أن أجزم، بأن حسن شريف، خلال مسيره الذي امتد لأكثر من أربعين عاما، قد هدم كل جدران الرتابة التي طرأت أمامه، ورأيته بأم العين وهو ينثر بذرة الدهشة في قلوب كثير من الفنانين والشعراء والمحبين الذين تقاطروا يزورونه في بيته المتواضع في منطقة السطوة الفقيرة في دبي. وكان لا يأبه إلا لفنه، وإلى ما يجعل الحياة مناسبة فرح مستمر، وعرساً ينبغي أن لا ندع لحظاته تمر من دون إشعال شمعةٍ أو إطلاق نشيد.

في طفولته الأولى، اشتعلت بين يديه لذة تركيب الأشياء، عندما كان في السابعة من عمره تقريباً، حين راح يتدرب مع والده على صناعة الكعك الملوّن وخلط المكونات لانتاج أشياء تبهج الأطفال. وهذا الأثر الأول في تكوين شخصية حسن شريف، سيظل ملازماً له لاحقا في تجاربه العالمية، وهناك اليوم العشرات من مقتنياته في المتاحف حول العالم ما هي إلا محاكاة لصناعة (الكعك). أعمال منثورة على الأرض تشبه الشوكولاته عرضها في أكثر من بينالي واقتنتها متاحف كبرى. وأنا الذي رافقته لأكثر من ثلاثين سنة، سمعته يردد على الدوام أن تعلقه بالفن بدأ من تلك اللحظات الأولى مع والده.

في نهاية الستينيات يلتحق حسن شريف متأخراً بمدرسة الشعب في دبي وعمره أكبر من بقية الطلاب بأربع أو خمس سنوات، طفل مشاغب لكنه يرسم ويخطط بطريقة تثير دهشة المدرسين، وفي العام 1972، والإمارات تعيش بهجة احتفالها بقيام دولة الاتحاد، يشارك حسن بلوحاته الأولى في أول معرض تشكيلي لأبناء الإمارات العربية المتحدة أقيم في المكتبة العامة في دبي، ويلفت الأنظار مع بقية طلاب تلك الفترة، واذكر من بينهم عبدالقادر الريّس وفاطمة لوتاه وعبدالرحمن زينل وآخرين. لتبدأ بعد ذلك المرحلة الجدية في تجربته الطويلة مع الفن.

مرحلة الكاريكاتير

شكلت السبعينيات ما يشبه العرس في الإمارات، وكانت الأندية الرياضية حضنا لكل الشباب. ووجد حسن مكانه في اللجنة الثقافية لنادي النصر الرياضي، حيث بدأ بنشر رسوم الكاريكاتير في مجلة (النصر) التابعة للنادي، ناقداً وساخراً من الأحداث الرياضية، مرّة على الجمهور ومرات على ممارسات اللاعبين ومسؤولي الأندية وأحيانا على المنتخب والمدربين الأجانب، وحتى منتصف السبعينيات، طوّر حسن كثيراً من أدواته الفنية في رسم الشخصيات واختيار موضوع الكاريكاتير، ولفت انتباه الصحف المحلية التي راقها حسه الفكاهي وذكاؤه، فراح يرسم في جريدتي الوحدة والفجر موجها نقده هذه المرة الى المجتمع. وقد اطلعت شخصياً على أكثر من ألف رسمة كاريكاتير قدمها حسن ونشرها منذ منتصف السبعينيات حتى العام 1979، وكنا نخطط معاً لنشرها في كتاب، لكن المشروع تأجل، ولا تزال مثل هذه المشاريع بحوزة أخيه والمشرف على أعماله عبدالرحيم شريف. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف