• الجمعة 28 ذي الحجة 1437هـ - 30 سبتمبر 2016م

محاولة لاختبار حضورهما في الثورة التونسية وأدب الجاحظ

«النّاتئ والمنتشر» عند بارت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 سبتمبر 2016

العادل خضر

ظهر مفهوما «النّاتئ والمنتشر» في كتاب رولان بارت Roland barthes «الحجرة المضيئة». وهما مفهومان من مفاهيم القراءة والتّأويل البارتي أجراهما على الصّورة الفوتوغرافيّة. وقد عرّفهما على هذا النّحو: «إنّه هو [أي النّاتئ] الّذي ينطلق من المشهد كمثل سهم ويأتي ليخترقني. تتوافر اللاّتينيّة على مفردة لتحديد هذا الجرح، هذه اللّسعة، هذه السّمة المحقّقة بأداة مدبّبة، وهذه المفردة تناسبني، خصوصاً أنّها تحيل على فكرة التّنقيط، وأنّ الصّور الّتي أتحدّث عنها لهي بالفعل منقّطة، بل وحتّى مبقّعة أحياناً، بهذه النّقاط الأساسيّة. إنّ هذه السّمات، تحديداً، هذه الجراح، لهي نقاط. وإذن فسأسمّي هذا العنصر الثّاني الّذي يجيء «ليزعج» المنتشر studium، أقول سأسمّيه «النّاتئ»le punctum ذلك أنّ المفردة الأخيرة تفيد أيضاً «زرقة» [لسعة إبرة أو مزراق]، وثقباً صغيراً، ولحظة هيّنة، وقطعاً ضئيلاً، وكذلك رمية نرد. إنّ «ناتئ» صورة، ما هو إلاّ هذه الصّدفة الّتي تستهدفني انطلاقاً منه». ثمّ يضيف لتعريف المنتشر studium «بعد أن استعرضت على هذا النّحو الاهتمامات العاقلة الّتي تثيرها فيّ بعض الصّور، يبدو لي الآن أنّ «المنتشر» عندما لا يخترقه أو يجلده أو يرقّطه «ناتئ» معيّن يجيء ليجتذبني ويحرجني، فإنّه، أي «المنتشر» يتمخّض عن نمط من الصّور جدّ شائع (الأكثر شيوعاً في العالم)، نمط ربّما أمكن دعوته بـ «الصّورة التّوحيديّة image unitaire».

يقابل بارت في كتابه «الحجرة المضيئة» بين «النّاتئ» و«المنتشر» بتأويل النّاتئ عبر «الانتقال من «point» (النّقطة) إلى «me poindre» (يستهدفني أو يهجم عليّ)، ومن ثمّ إلى le poingnant (ما يهاجم ويجرح)». ويؤكّد تأويل دريدا في مقالته الشّهيرة «ميتات رولان بارت» مفهوم «النّاتئ». فهو عنده هذا التّفصيل الصّغير الّذي ينبثق من حقل «المنتشر» الواسع، فلا ينتظم بانبثاقه المباغت في شفرته.

انطلاقاً من هذا التّعريف المعتصر تنهض محاولتنا. فنحن نسعى في هذا العمل إلى بيان كيفيّات اختبار مفهومي النّاتئ والمنتشر في مجالي السّيميائيّات الكبيرين: اللّفظي والمرئيّ، وذلك بإجرائهما على مثالين مختلفين ينتميان إلى مجالين متباعدين هما الصّورة والأدب.

في الثورة التونسية

ينتمي المثال الأوّل إلى مجال المرئيّ. والمدوّنة المعتمدة في الإجراء هي أرشيف صور الثّورة التّونسيّة. فقد بيّن التّأمّل في معظم صور الثّورة التّونسيّة أنّها من جنس «الصّورة التّوحيديّة image unitaire». وفي هذا الضّرب من الصّورة لا يعتمد على تفصيل صغير ناتئ تلتقطه العين بلا جهد، وإنّما على المدى المنتشر للصّورة كلّه. وهو مدى يقتضي القبضُ عليه جهداً في التّحليل منتشراً بدوره. وتنهض هذه «الصّور التّوحيديّة» على مبدأ المنتشر بسبب طموحها إلى الإحاطة بالجموع في كثرتها المتكثّرة واتّساعها الفضائيّ. فعندما يعظم الجسم بأعداده المتكاثرة وامتداده الهائل على الفضاء العموميّ، تتّسع الصّورة بالضّرورة، لتشمل كلّ الأطراف المنتشرة في هذا الفضاء. هذا الاتّساع هو الّذي يمثّل محتوى «زاوية نظر الشّعب»، أمّا «المنتشر»، فهو المبدأ الّذي يمثّل شكل ذلك المحتوى. وفي هذا الضّرب من الصّورة لا يعتمد على تفصيل صغير ناتئ تلتقطه العين بلا جهد، وإنّما على المدى المنتشر للصّورة كلّه. وهو مدى يقتضي القبضُ عليه جهداً في التّحليل منتشراً بدوره. لنبيّن أنّ جانباً من هذه الصّور قد التقطت في بعض الأحيان من «زاوية نظر الجموع le point de vue des masses»، أي من «زاوية نظر الجمهور». وهي زاوية نظر مختلفة عن «زاوية نظر الدّولة» ذاتها، ومختلفة عن «زاوية نظر طبقة معيّنة»، أو زاوية نظر حكومة «شعبيّة» أو «ديمقراطيّة» أو «زاوية نظر حزبيّة». هذه الصّور قد التقطت من «زاوية نظر الشّعب» فحسب، ومن ثمّة كانت جدّتها وطرافتها.

ولكن ما الّذي يحملنا على اعتبار هذه الصّور قد التقطت من «زاوية نظر الشّعب»؟ لا تعني عبارة «زاوية نظر الشّعب» في هذا السّياق الفوتوغرافيّ أنّ الشّعب قد التقط هذه الصّور بنفسه عن نفسه، فكان الذّات والموضوع معاً، وإنّما نعني بالتّحديد أنّ أولئك الّذين التقطوا هذه الصّور المختلفة قد أعادوا توزيع المشهد المرئيّ وتشكيله على نحو مختلف لبناء «ذات» مرئيّة جديدة تسمّى الشّعب. ولكن بأيّ معنى يمكننا اعتبار هذه الجموع الّتي توحّدت في الصّورة هي «ذات» الشّعب؟ فالشّعب بأسره لا يمكنه أن يعتصر في ذات فرديّة، لأنّه ليس ذاتاً، وليس له ذات، فهو «جسم بلا أعضاء» على حدّ عبارة دولوز Deleuze، دون «أنا» عميق، ولا انسجام فكريّ، ولا ذاكرة مشتركة تؤسّس هويّة واحدة وموحّدة. وإذا سلّمنا بأنّ الشّعب مجرّد من كلّ ذات، فإنّ ما تحاول بناءه الصّور الملتقطة هو هذه الذّاتيّة الجديدة الّتي تذوب فيها كلّ ذات في جموع الذّوات. ومن ثمّة غاب عنها كلّ النّجوم والأبطال والمشاهير، فلا شيء تظهره هذه الصّور سوى جسم الشّعب الّذي صار يملأ فضاء المدينة ويحتلّه. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف