• الاثنين 24 ذي الحجة 1437هـ - 26 سبتمبر 2016م

تحرير التجارة لا يؤدي دائماً إلى خفض أسعار كل الأشياء التي نشتريها، ولكنه يميل عموماً إلى جعل معظم المواد أقل غلاءً.

سوق العمل الأميركي و«صدمة الصين»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 21 سبتمبر 2016

نوح سميث*

عندما يتحدث الناس عن مزايا التجارة الحرة وأضرارها، فإنهم عادة ما يقصدون تأثيراتها على سوق العمل. وهذا شيء منطقي على اعتبار أن فقدان وظيفة له تأثير كبير جداً على حياة الشخص. إذ حتى إذا تمكن المرء من إيجاد وظيفة أخرى، فإن ذلك يتطلب وقتاً ومالاً ويتسبب في الكثير من القلق والتوتر. ثم إنه يقلب حياة المرء رأساً على عقب، وأحياناً لا يفلح المرء في إيجاد وظيفة جيدة تشبه تلك التي كانت لديه من قبل.

ولهذه الأسباب ثارت ضجة كبيرة جراء البحث الأخير لعلماء الاقتصاد «ديفيد أوتر» و«ديفيد دورن» و«جوردون هانسون»، الذي أظهر أن التجارة مع الصين تؤذي الكثير من العمال الأميركيين، ولنا أن نتخيل التوتر والخوف والإذلال واليأس الذي يشعر به العمال الذين دُمرت وظائفهم بين عشية وضحاها وجعلتهم فجأة يعتمدون على المعونات الاجتماعية أو يعملون في وظيفة يتقاضون عنها نصف ما كانوا يتلقونه كراتب. وإذا كان «أوتر» وزميلاه على حق، فإن «صدمة الصين» خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أضرت بالعمال أكثر مما أفادتهم.

المدافعون عن التجارة الحرة كثيراً ما يردّون على ذلك بالقول إن أسواق العمل ليست الأسواق الوحيدة التي تتأثر بالتجارة الحرة. فالكثير من الأشياء التي نشتريها، من أجهزة التلفاز والهواتف إلى اللعب والملابس والطعام، تتم المتاجرة فيها في الأسواق الدولية. صحيح أن فتح التجارة لا يؤدي دائماً إلى خفض أسعار كل الأشياء التي نشتريها، ولكنه يميل عموماً إلى جعل معظم المواد أقل غلاءً، بطريقتين: فأولاً، المستهلكون يتمكنون من شراء أشياء من شركات تصنع تلك الأشياء في الخارج بكلفة أرخص، وجزء من التوفير الذي يتأتى بفضل انخفاض الكلفة يمرَّر وينتقل إلى المستهلك على شكل أسعار منخفضة. وثانياً، التجارة تسمح للبلدان بتركيز إنتاجها الخاص وتحويله نحو الأشياء التي تُعتبر تلك البلدان الأكثر فعالية وكفاءة في صنعها، وهو ما يؤدي عموماً إلى جعل الأسعار منخفضة.

انخفاض الأسعار هذا يخفف إلى حد ما من تأثير انخفاض الأجور، بل إنه يتيح نوعاً من الإغاثة للأقلية غير المحظوظة التي تفقد وظائفها. ولهذا يُعتبر انخفاض أسعار المواد الاستهلاكية أحد أهم وأبرز المزايا التي يشير إليها المدافعون عن سياسات التجارة الحرة.

بيد أن ثمة مشكلة. فالتجارة لا تؤثر على كل الأسعار بالدرجة نفسها . ذلك أن بعض الأشياء تصبح أرخص بكثير بينما لا تكاد أسعار بعض الأشياء الأخرى تتغير. هذا في حين يمكن أن تصبح بعض الأشياء أغلى ثمناً في الواقع. والحال أنه إذا فشلت التجارة في خفض أسعار الأشياء التي يشتريها الأشخاص الذين يفقدون وظائفهم بسبب المنافسة الخارجية، يصبح الأمر نكسة مزدوجة بالنسبة لأولئك الأشخاص.

عالِم الاقتصاد سيرجي يجاي، زميل جامعة «إي تي إتش» في زيوريخ، طوّر نموذجاً يقسّم التجارة إلى سلع غذائية وسلع غير غذائية ويُظهر أنه لما كانت الإنتاجية الزراعية مختلفة بشكل أقل حول العالم من الإنتاجية في قطاعات أخرى، فإن التجارة الحرة تميل إلى خفض أسعار السلع المصنعة والخدمات أكثر من خفضها لأسعار الطعام. وهذا خبر سيئ بالنسبة للأشخاص الذين ينفقون جزءاً أكبر من مداخيلهم على الطعام، أي الطبقة العاملة والفقراء.

*أستاذ المالية في جامعة ستوني بروك

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف تقيم الأداء العربي في أولمبياد ريو؟

جيد
عادي
سيء