• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

كتاب «الصورة والآخر» للباحث والمترجم المغربي فريد الزاهي

الجسد.. حضور وغياب في مقام واحد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 مايو 2014

حكيم عنكر (الرباط)

يدق الباحث والمترجم المغربي فريد الزاهي في كتابه الجديد «الصورة والآخر، رهانات الجسد واللغة والاختلاف» بابا وعرا، ويسلك مسلكا من أصعب المسالك، فموضوع الجسد من تلك الموضوعات التي «تشعل النار» في صاحبها حتى قبل أن يرتد إليه طرفه.

وربما لكون الكتاب يصدر عن منظور أكاديمي صرف، فيه تفكير وبحث و«حياد» معرفي، يخرج موضوع الجسد والصورة من إطارهما المضطرب والساخن والمنفعل، الذي ظل يطبع فترات الثقافة العربية الإسلامية، وطبقه وعليه جرى تصنيف «الحلال» و«الحرام» والشرعي والمنحول والدنيوي والأخروي.

فالجسد من المنظور الديني «هبة إلهية»، والتصرف فيه يخضع لضوابط ومحددات، محركها «مقاومة اغترار النفس وشهواتها»، وعدم السقوط في فخ «الإغراء» الدنيوي، لأن الجسد من تراب وسيعود إليه، أي أنه هو نفسه، علامة تتحول إلى علامة أخرى، هي شاهدة القبر، ثم تنمحي تلك الشاهدة فيما بعد، ويذوب الجسد في عضويات قشرة الأرض، ليبقى خيال الشخص وليس جماله، وجوده الرمزي، إذا كان بمقدوره أن يصل إلى هذا المستوى، وليس برصيده البنكي، أو جاهه.

يفتح الزاهي عين القارئ العربي المسلم وعقله على مثل هذه الإشكالات، وينبهه إلى فائدة أن يفكر في مثل هذه القضايا، في زمن نقول عنه إنه: «عصر الصورة ومشتقاتها»، زمن تحول فيه الجسد من موضوع إلى مجرد حامل للصورة، وهو تحول جوهري وخطير، يفسر الحروب التي تتعرض لها الهويات المحلية أو الصغيرة، ومشاريع الاستحواذ التي تقع غربا وشرقا، وظهور وتفشي النزعات المتشددة عند أهل الديانات، ومنها الإسلام، وكيف يتمسك عدد من المسلمين، حتى وهم يعيشون في الغرب، ويمتمتعون بـ«ديمقراطيته» وتقدمه العلمي والتكنولوجي، بإنتاج سياجات رمزية، مثل ما نراه اليوم في شوارع باريس أو لندن أو من صيغ تطرف تعبر عن نفسها في شكل اللباس الطالباني أو الأفغاني. يقول فريد الزاهي في الصفحة 93 من الكتاب: «فالجسد في عوالم الإسلام كيان مقدس وصورة لا تنتمي إلا لخالقها، ولا حق لأحد في صنع أشباح أو ظلال لها. والبورتريه، سواء كان فنيا كما مارسه الاستشراقيون، أو كان فوتوغرافيا، كما مارسته بشكل عسفي السلطات الكولونيالية، ضرب من التضعيف، الذي يمس هوية الجسد وهوية الشخص، من حيث إنها هوية تنبني على الحضور والغياب في آن واحد».

ويشير فريد الزاهي، في هذا الصدد، إلى أن الفرنسيين حين عمدوا إلى تصوير المغاربة والجزائريين أثناء فترة الاحتلال، لم يدركوا أن هذا الفعل غير مقبول من طرف هؤلاء، لأنهم كانوا يعتبرون هذا الفعل شيطانيا وضربا من ضروب التملك السحري الذي يفصل بين الجسد/ الصورة، وبين الروح.

إن هذا يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: هل يجوز التصوير في الإسلام؟ وهو سؤال له زوايا مقاربة متعددة، فقهية ومعرفية، والفقهي منها شائك ومتضارب، ويحيل إلى متاهات أخرى، ربما استغرقت الكثير من الوقت ومن السجال. وفي هذا المقام يورد الزاهي، نصا جميلا من «الرحلة التطوانية» لمحمد الصفار إلى فرنسا، والتي قام بها ما بين 1845 و1846 يصف فيه حضوره لعرض أوبرالي في باريس، يقول الصفار: «وقد رأيناهم مرة صوروا الجنة بقصور وأشجار ومنظر حسن، وصوروا ملائكة يطيرون في الهواء بأجنحة بيض». إن هذا المقطع وحده، يشير إلى الدهشة، دهشة المسلم من ممارسات فنية وتعبيرات مخالفة لمعتقده، إن تصوير الجنة أو جعل صور للأنبياء أو تصوير سفينة نوح، أو غيرها من الأحداث الكبرى، التي هي محط إجماع الديانات الثلاث، وعندما بتعلق الأمر بالثقافة العربية الإسلامية، يتحول إلى خط أحمر، لأنه يمس جوهر التمثل الديني. كتاب «الصورة والآخر» من هذا المنظور، يكتسب فضيلة السؤال، وينبه إلى الإشكالات التي تتفرع عنه، وأحد نقط قوة الكتاب، طرحه لموضوع ساخن ومعقد على طاولة التأمل المعرفي الهادئ، وكأن الأمر يتعلق بمناظرة لمحاورين مفترضين، تبدو «صورهم» من خلال ثنايا الكتاب واضحة للعيان.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف