• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

كتابات الرحالة الغربيين والتسميات الكولونيالية لمنطقة «الساحل المهادن»

من الأصدق: الأفراد أم الحكومات؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 مايو 2014

عمار السنجري

استقطبت منطقة «ساحل عُمان» أو «الساحل» ما يُعرف اليوم بدولة الإمارات العربية المتحدة، شأنها شأن أقطار الشرق الأخرى العديد من الزائرين الأجانب الذين اختلفت أهدافهم ومقاصدهم (1).

شهدت هذه المنطقة منذ القرن الخامس عشر الميلادي توافد الرحالة والمغامرين والباحثين عن جديد ما. ومن حسن الحظ أن بعض هؤلاء إن لم يكن أغلبهم (2) قد دونوا مشاهداتهم وملاحظاتهم وتحدثوا عن مهامهم ولقاءاتهم بعامة الناس وبالنخبة ووصفوا الطبيعة ونمط العيش والمدن والقرى والصحراء والجبال والشواطئ وحياة الناس في الحضر والبادية. وهذه الرحلات أصبحت اليوم كتباً لا غنى عنها للباحث في تاريخ المنطقة وشؤونها، وقد ترجم بعض هذه الكتب إلى العربية، بينما بقي بعضها في لغاته الأصلية ينتظر من يقوم بترجمته، والحاجة تدعو إلى ترجمته ونشره في لغتنا. ومع ذلك، فإن معظم ما كُتب ينطوي على معلومات مهمة لا تقدر بثمن ولا نبالغ أن جُلَّ تاريخ المنطقة، الإمارات بل والخليج والجزيرة العربية، يعتمد على ما دَوَّنَه الأجانب عنّا، وكان لكتب الرحلات نصيب كبير في ذلك. وأياً كانت تحفظاتنا على بعض ما ورد في هذه الكتابات أو السياق الذي عالجت به موضوعاتها، إلا إننا لا نستطيع سوى الإقرار بالشكر لأولئك الناس، إذ لولا تلك المعلومات والبيانات لضاع منا الكثير والكثير، حيث لم ندوّن نحن ولا قومنا سوى أقل القليل من أحداث تلك القرون وشؤونها رغم أهميتها وخطورتها، وهي التي صنعت تاريخنا الذي نعيشه اليوم. (3)

رحالة وغزاة

كانت منطقة «ساحل عُمان» من ضمن هذه الأقطار العربية التي كانت تتجه إليها الرحلات، وقد جاءها المئات من الرحالة منذ بدايات الغزو البرتغالي الذي اكتوت بنيرانه وتجرعت مرارته، وحتى الخمسينيات من القرن الماضي. جاءها رحالة من البرتغال أثناء فترة احتلالهم وتمكنهم، ومنهم من جاء بعد طرد جيوشهم، وفي كلتا الحالتين وصفوا ما شاهدوا ولم تكن مشاعرهم واحدة في الحالتين، ففي الأولى كانوا مبتهجين مفتخرين، وفي الثانية كانوا في حزن وألم وقد تُرجِم البعض مما كتبوه وما زال الأكثر والأهم في لغته. وجاءها أناس من الدنمارك وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وأميركا، وفي مقدمة هؤلاء كان الإنجليز، وهم الأكثر عدداً على اختلاف مهنهم ومهماتهم. ولا أزعم لنفسي هنا القدرة على إحصاء كل الرحالة الذين زاروا «الإمارات» من الغربيين وتركوا وصفاً مكتوباً لما رأوه أو فعلوه في هذه القرون الخمسة، فذلك فوق طاقتي، ولكني سأحاول أن أقدم بعض «النماذج» من تلك الكتابات التي تناولت مظاهر الحياة في الإمارات قديماً. ولأكون دقيقاً، فإن ما تمكنت من مطالعته مما كان يقع تحت نظري وأغلب مصادره من مكتبتي الشخصية، وأنا أعد على عجل هذه الوريقات، من الصعب الوقوف معه مطولاً، وذلك لتواضع قدراتي في المقام الأول، ولأن الظرف والمدة المحدودة التي طُلِبَ مني خلالها تسليم هذا الكتاب لا يتسع لأكثر من وقفات عجلى تومئ ولا تفصّل.

شكلت كتابات الرحالة ومذكراتهم جنساً أدبياً راقياً وممتعاً في آن واحد، إذ إنه لا يعكس الوضع الاجتماعي للأفراد والجماعات وحسب، وإنما يرصد الأوضاع الثقافية والسكانية والفكرية والحضارية السائدة أيضاً. فهو بهذا المعنى يؤرخ الأنثروبولوجيا الثقافية للمجتمعات وللحضارات السائدة لتلك البلدان التي زارها الرحالة. وتأسيساً على ذلك، فلا غرو أن يعتبر هذا النوع من الأدب الوسيلة الأكثر قدرة على رصد مشاهدات الرحالة لمختلف جوانب الحياة والطبيعة وتوثيقها بالكلمة والوصف من خلال رؤية الرحالة لها، هذه الرؤية التي يفترض فيها الحياد نحو الظواهر حين وصفها، ولكنها غالباً ما جاءت مفعمة بمشاعر الرحالة، وهذا ما جعلها مؤثرة في أسلوبها وممتعة في تفاصيلها، كما أنها توثق المواقف والعادات والسلوكيات التي تبدو عادية لدى السكان المحليين، في حين هي غاية في الأهمية في دراسة تطور هذه الأنماط الثقافية، وكذلك في الدراسات المقارنة لعادات وقيم وتقاليد الشعوب وثقافاتها، وعلى هذا النحو يقدم الرحالة مادة علمية قيمة للدراسات الاجتماعية والانثروبولوجية لمن سيأتون من بعده من الباحثين والدارسين.(4‏) ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف