• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

المفلسون روحياً وفكرياً

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 18 سبتمبر 2016

قد يفقد الإنسانُ مَالهُ ويُعوِضُهُ بغيره وربما يرهَنُ بيته ويخسره وقد يدخل في تجارةٍ ولا يربح فيها فيعوضها بأخرى، أما أن يفقد ضميرهُ وأخلاقه فهذه هي الخسارةُ الحقيقة والمُصيبة العظمى التي لا تقارن بأي مصيبةٍ أخرى والتي قد تجر صاحبها إلى أن يفقد من حوله ويفقد ثقة الناس فيه.

لذلك نجد المفلسين روحياً وفكرياً لا يجدون ما يثبتون به وجودهم إلا بتصرفاتٍ تُثير الغضب أو تثير الضَحك، وما ذلك إلا ليلفتوا نظر الناس إليهم بأنهم موجودون وبأنهم يستطيعون عمل شيء وبمقدرتهم إثارة الآخرين والتأثيرُ فيهم، فلا نتعجب من التصرفات الهمجية التي يقوم بها هؤلاء تجاه الناس من الاستهزاء بهم وتأليب الناس عليهم، إذ لو لم يفعلوا ذلك فليس عندهم ما يفيدون به المجتمع قولاً وفعلاً لأنهم وبكل بساطة مفلسون روحياً وفكرياً.

شَتان بين أن تُجالِس مثقفاً أو تجالس مفلساً، فالأول سيفيدك وسينصحك وسيوجهك وسيفرحك، أما الثاني فسيثير غضبك وسيستهزئ بك وسيقودك للانحراف، بل سيوجه أنظار الناس إليك لأنه لا يملك ما يثبت به وجوده وما ينفعهم به إلا بهذه التصرفات الهمجية التي تعكس مدى إفلاسه الروحي والفكري.

إن التعامل مع المفلسين روحياً وفكرياً ليس في تجنّبهم والابتعاد عنهم، ولو كان ذلك في بعض الأحيان حلاً مثالياً في يد من لا يتحمل إفلاسهم ولا يملك طريقة أخرى لمواجهتهم المواجهة الحقيقية التي تجعلهم يعودون لرشدهم، ولا يتحقق ذلك إلا بطريقتين ذهبيتين لا ثالث لهما.

الطريقة الأولى «التجاهل»، وقد أثبت هذا التصرف عبر التأريخ نجاحه لوضع حد لأمثال هذه التصرفات التي تثير المشاعر النفسية، فالتجاهل يجعل الشخص يشعر بأن الرصاصة التي أطلقها لم تصب الهدف، بل عادت إليه لتصيبه، ومن ذلك يروى أنه تزوج أعمى بمبصرةٍ فقالت له: «لو رأيت بياضي وحسني لعجبت»، فقال: «لو كنت كما تقولين ما تركك المبصرون لي» وقال رجل لزوجته: «ما خلق الله أحب إلى منك» فقالت له: «ولا أبغض إلى منك» فرد عليها: «الحمدلله الذي أولاني ما أحب وابتلاك بما تكرهين» ويقال بأنه ركبت سيدةٌ بدينة حافلةً فصاح أحد الركاب قائلاً: «ما كنت أعلم بأن هذه الحافلة مخصصة لِلفِيلة» فردت عليه بهدوء: «لا يا سيدي فهذه كسفينة نوح يركبها الفيلة والحمير أيضاً»!.

الطريقة الثانية «المواجهة والنصيحة»، وذلك يكون بإشعار المفلس بخطئه، وقد يجدي نفعاً أحياناً معاملته بنفس المعاملة بحيث يُحرج ويحس بنفس إحساس من استهزأ بهم أو استثار غضبهم، وكذلك نصحه كي يعود لرشده ومحاولة إفهامه بمدى خطورة الطريق الذي يسلكه ونتائج ذلك عليه وعلى من يتعامل معهم.

غناك الحقيقي هو في حبك للناس وحب الناس لك الذي يجعلك في مكانة مرموقة في المجتمع وتجني من ورائه الخير والسعادة في الدارين، وإفلاسك الحقيقي هو في افتقارك لتلك المعاني الإنسانية والقيم الأخلاقية التي قد تكون نتائجها وخيمة وعاقبتها سيئة في الدارين، فاجعل غناك في قلبك ورأس مالك أخلاقك تكسب قلوب الناس وحبهم وتتخذ لك مكاناً في قلوبهم.

فيصل بن زاهر الكندي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا