• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

عبدالله السبب في كتابه: «صلاة»

أنطولوجيا ما تبقّى من صُحبة عصيَّة التواري

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 17 سبتمبر 2016

د. رسول محمد رسول (أبوظبي)

إنهم شعراء وقد رحلوا، شعراء إمارات رأس الخيمة وضواحيها، عاشوا ملء الزمان حتى أراقت اللحظة المباغتة وجودهم صوب الـ(هناك) المفارق، عاشوا المكوث، ومن ثم الانتقال إلى ما بعده، بحيث أصبحوا، بين ليلة وضحاها، في مكوث مختلف ليس لنا، وعبدالله السبب منّا، إلاّ أن نستيقظ على أثرهم وصحبتهم التي مرت دون أي استسلام للعدم المطلق، وذلك لا يكون إلاّ وفق حوار ذات أداء تواصلي مختلف، فقد كان أولئك الشعراء ماء لكنهم استحالوا إلى رغوة أثر عصية الغياب، وبذلك فهم ما تبقّى أو لنقل إنهم بقية وجود لا يعدو أن يكون همزة وصل بيننا، ذلك (الوجود) الذي يساوي الـ(هُمْ) أو يوميات تلك الصُحبة الوجودية يستعيدها الشاعر عبدالله محمَّد السبب في ديوانه الرثائي الفريد في هندسته النصية (صلاة) ليس بعيداً عن ذاته كونه منهم في أكثر من معنى ودلالة وقصد.

ولعل عتبة نصية واحدة استهل بها السبب كينونة ديوانه النصية تكفي لقول فتنة وجودية ما بلغة راثية: «إلى رفاق قصيدتي في ذكراهم، خليفة محمد خليفة، جمعة الفيروز، علي العندل، أحمد راشد ثاني»، إنهم رباعية ما تبقّى وحواره العميق مع موجودات بشرية خلاقة توارت جسداً وبقيت أثراً وذكرى، إنهم ما تبقّى من شعراء قصيدة عصية الغياب.

في أنطولوجيا الرثاء يحف بنا الشاعر النظير عبدالله السبب صوب عوالم قلق الرحيل وتعب الفراق منطلقاً من نص عتبي جاء فيه: «وهكذا، يجب أن نفترق يا جسدي، بعد أن اتفقنا سنوات طويلة، وإنه لمنَ المحزن أن تنتهي صحبتنا». وهذا وحده يمنحنا دفء الانضمام إلى معترك ما سيأتي نحو تسريد (المثوى) كعنوان مكاني في ستة مقاطع شعرية مكثفة جاءت تحت عنوان (قبورنا).

تحت عنوان «سفر» تأخذنا ذائقة عبدالله السبب إلى عوالم رحيل الشاعر خليفة محمد خليفة الذي يخاطبه بـ«أيها الأنتَ.. يا قِبلة الشِّعر.. يا قُبلة المطر»، بل ويترجاه ألاّ يغادر موجودية اللحظة، والمخاطبة بـ«يا» تبدو ملفوظاً شعرياً يتكرر مراراً، فثمة «حلم لم ترتاده بيارق الغثيان».

إلى جمعة الفيروز الذي يخاطبه السبب برونق دافئ الطية: «هكذا رأيناه كما لم نر أحداً من قبل، ألفناه كما لم نألف أحداً من قبل، خبرناه كما لم نخبر أحداً من قبل، فقدناه كما لم نفقد أحداً من قبل»، ليرحل الفيروز في لحظة حزينة: «حتى تعثر في نومه... ومات.. هكذا دونما حيلة، دونما حول!»، مذكراً بكل أنطولوجيا كانت متاحة لفها وجود الفيروز في حله وترحاله حتى لحظات مواراة جثته في ذلك اللحد الرملي البارد.

إلى علي العندل، الشاعر الذاهب إلى حتف غير متوقَّع، تأخذنا تلابيب القراءة الرثائية حيث الجرار قاحلة، والينابيع ضامرة، وأشجار يأكلها الهجير، وصخور مسامير ليال نائمة، لكنها المرايا ساطعة، لذا يرتجي السبب شاعره الراحل الذي يصفه بـ«سقراط» ألاّ ينام، ودلالة (سقراط) هنا ذات أثر يرتبط بتخصص العندل بدراسة الفلسفة في جامعة الإمارات مطلع ثمانينيات القرن العشرين.

وتحت عنوان «دعابة أليفة» ينساب قول الشاعر السبب إلى تجربة أحمد راشد ثاني الذي كان رحيله باكراً كما غيره من شعراء موضوع الحالة في هذا الديوان، فالطيور وقد طارت بأرزاقها، وإنك يا أحمد راشد ثاني، يقول عبدالله السبب: «الطائر الذي طار منذ طائرين طريين، جمعة الفيروز وعلي العندل».

بالفعل، إنها صلاة الشاعر على رحيل نظرائه أرادها عبدالله السبب أن تمضي في طريق مختلف ليس بعيداً عن ذاته لكي يحقق أصالة ذاته المنخرطة في ذوات الآخرين أو ذوات الـ(هُم)، ولهذا كانت قصائد الديوان رثائية وجودية تحث الخطى بأن تكون أنطولوجيا أكثر منها مجرّد رثاء عابر على ما مضى.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا