• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

شخوص منال السيد وأماكنها بعيدة عن التقليد

رواية «غنا المجاذيب».. سرد الحنين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 سبتمبر 2016

القاهرة (الاتحاد)‬

«غنا المجاذيب» رواية منال السيد التي أخرجتها الدار المصرية اللبنانية، تجمع صورة من حنين جارف إلى الماضي، فيطغى على عملها ذلك العالم الذي يفتقده المرء في طفولته، زمن البراءة والاستسلام، تتداعى الذكريات من جديد في نظام لاعقلاني، أشكال شخوص مقلوبة غير خاضعة للمنطق، أشياء عادية المنظر باقترانات غير عادية، بين مشهد سينمائي وواقع حقيقي يتجاوز اليومي المألوف إلى حالة شبه ما فوق الواقعية.‬

«منال السيد» تُعامل بقايا الذكرى بحنان شديد يجمع بين المتناقضين: الحلم والحقيقة كنوع من الحقيقة العليا أو المطلقة، إنها الكتابة التلقائية النفسية الخالصة، في معزل عن سيطرة العقل في ترتيب الحدث، لقد وضعت العقل المُخزّن للذكريات في خدمة اللاعقل للسرد، في انحياز ضد الكلاسيكية، حيث تهدم البنية الكلاسيكية من داخلها في لغة ليست مثقلة بالمحسنات البديعة ليكون السؤال: ما هو الحدث الرئيس بالفعل؟ بعد إعادة تشكيل الأحداث الواقعية لتصبح جانبية بوصفها واقعية خارج المشهد، انطلاقاً من عدم التركيز على نقطة للبداية، والخروج من أسر الشخصية «المحور»، فلا يمكننا أن نطلق عليها تنظيراً غير «لا رواية» ذلك المفهوم الحديث على إبداعنا العربي، فالسبق إليه في الأدب الفرنسي منذ أوائل القرن الماضي تحت مسمى «الرواية الضد» مع اختلاف التعاطي والمحتوى – وهذا لا يعيب هذا العمل أبداً – حيث «منال» تحمل لك أكثر من صوت وصراع للفكرة في خطوط متوازية لا ترتبط بمركز محدد غير الراوي نفسه، في لغة تتفق مع الحياة البسيطة التي عاشتها، ليست لغة الكتب على الدوام، وإنما هي اللغة الحياتية، حين حولت ملامح وخصائص الأمكنة إلى أشخاص لهم رائحة الزمن، من أحلام الماضي لتقول لنا «الآن الوقت الصحيح توقف».‬

«منال السيد» في «غنا المجاذيب» لا تعتمد التقليدي، وإنما تُجرب على شخوص لا يتجاوز عددهم الـ20 وأماكن لا تتجاوز الـ10 بين الحدائق والتل الكبير، حتى مقاطعها تتحرك في بضعة سطور، لا تعتمد النهج المشهور للرواية القائم على أساس الحبكة الدرامية ذات البداية والنهاية المعتمدة على الشخصية أو الحدث محوراً، فهذا غير جائز هنا، حينما تُقدم إليك دور الوجدان الذي يحتفظ بالذكريات المحببة أو غير المحببة، دون التأكيد على عامل المنطق في الحكي مع تضمين أحكامها الخاصة التي مصدرها العقل، وهي بهذا لا تبعد مطلقاً عن الواقع، فالحياة على حقيقتها لا تعتمد تلك الحبكة الجديرة سابقاً بالاهتمام، فالحياة على مستوى أوقاتها يكون لكل يوم فيها حالة محددة وموصفة لذاتها، إلى أن ترحل تلك الحياة مع صاحبها، وتجد «منال» هنا البديل يأتي من الوحدة الشعورية لعالم الرواية، فلا وجود لأحداث متعاقبة أو شخصية ممتدة غير تلك التي تجعل منها بطلاً، ليس بالمعنى التقليدي، وإنما بتقديمه إلى أول الصفوف على الشاشة بعيداً عن تهميش المجاميع.‬

إنها تنقلك من الحالة النفسية للمشهد إلى الجو العام والعكس، ليس إقراراً بالهزيمة أو اعترافاً بالمقدرة الفريدة لتلك الحالة، وإنما هو سرد للذكرى الذاتية حيث الحنين اللانهائي، والاستعارات البصرية المقصودة الإرباك. ‬

«منال السيد» تُصر على نقل الذاكرة بواقعها البريء لتؤلف في مجموع الصور المختلفة تأملات في طبيعة الوجود حيث يمتزج الماضي بالحاضر، فنجد إلى جانب التضمينات النفسية ذات الخصائص الشكلية التي لها العمق نفسه والحذاقة ذاتها، عوالم أخرى مكتفية بذاتها، تغرينا على الدخول إليها واستكشافها مستمتعين بغوامضها العجيبة، ومسالكها المألوفة، ومع ذلك كله فهي تنأى عنه إلى مصاف أكثر روحانية إجمالاً، مستغلة لغة لا مشقة فيها. ‬ ‬

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا