• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

تذوق الأعمال الفنية تربية الروح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 سبتمبر 2016

د. حورية الظل

تتعدد السبل السالكة للسعادة وتتنوع، والسعي للقبض عليها لا يتوقف، لأنها غاية مطلوبة لذاتها، ونهاية الكمال الإنساني. وتلقّي الأعمال الفنية فعل راقٍ، يعد من مسببات السعادة، وهو أمر له آثار جيدة في المتلقي، حيث يرقى بروحه، ويهذب ذوقه، وييسر له الانسراب إلى ممكنات إيجابية في التعاطي مع الذات، ومع العالم من حوله. ونظراً إلى أهمية الموضوع، فقد شغل الفلاسفة والمفكرين منذ القديم، فاحتفوا به، وقالوا فيه الكثير، فهل أجمعوا على أن الأعمال الفنية تُشبع الحاجة الجمالية للمتلقي، وتمنحه السعادة؟

إن تلقي الأعمال الفنية، في كل زمان ومكان، كفيل بتحقيق السعادة للمتلقي، وهذه السعادة عبارة عن حزمة من المشاعر، تتمثل في المتعة واللذة والانتشاء، وحسب الفيلسوف الفرنسي إتيان سوريو، فنحن: «بحاجة إلى أن نضيف فسحة مشرقة لحياتنا، عن طريق احتكاكنا المتكرر بآثار الفن». لكن على سبيل البدء سأتطرق إلى الآراء السلبية تجاه السعادة والفن، وإن كان أصحابها يؤكدون ترابطهما ضمنياً، فيرى بعضهم أن المتعة التي يحققها الفن هي مجرد استنفاد للطاقة الزائدة عند الإنسان، ومن هؤلاء الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر، كما اعتبرت بعض المذاهب في الفن أن الأمر لا يتعدى أن يكون تحقيقاً وإشباعاً للذة، وتهويمات خيال وأحلام، وقبل ذلك بكثير نفى أفلاطون الشعراء من مدينته الفاضلة، حيث رأى أنهم، والمصورين والنحاتين، قد عمدوا إلى بث اللذة وإثارة المشاهدين، من خلال محاكاة الواقع المتغير، الذي هو تضليل عن الحقيقة المثالية التي ينشدها الفيلسوف، وهذا الرأي يؤكد أن الفن وُجد، منذ البداية، ليحقق المتعة الجمالية للمتلقي، وهو الأمر نفسه الذي ذهب إليه هيجل في كتابه «علم الجمال»، حيث لاحظ امتداد الفن إلى الآخر، أو إلى المتلقي، وأكد ذلك بقوله: «مهما حاول العمل الفني أن يبني عالماً متماسكاً، وقائماً من تلقاء نفسه، فإنه بصفته موضوعاً واقعياً، لا يوجد لذاته، بل يوجد لنا نحن، أي من أجل جمهور يتأمله وينتشي به».

وتكشف نظرة أرهف على محافل تلقي الأعمال الفنية عن حقيقة مفادها، أن هذه الأعمال سبيل لسعادة المتلقي، سواء أكانت ساخرة أم مأساوية، حاملة للفرح أو للألم، ولا أدل على ذلك من التطهير عند أرسطو، والناتج عن مشاهدة التراجيديا التي تحقق المتعة الجمالية للمتلقي، وتطرق ابن سينا أيضاً إلى نفس الموضوع، لما شرح ولخص كتابات أرسطو، وأكد ذلك بقوله: «الكلام المتخيل (أي الشعر) هو الكلام الذي تذعن له النفس، فتنبسط عن أمور، وتنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار».

أكد دافنشي في كتابه «نظرية التصوير» أن العمل الفني مصدر متعة وسعادة، حيث يقول: «في لحظة يكشف التصوير عن نفسه أمام عينيك، ويقدم إلى نعمة البصر جوهره مباشرة، فيستقبل الحس الأشياء الطبيعية، ويدركها في نفس الوقت الذي تتضح فيه، هذه الهارمونية وهذا التناسب المتناسق بين الأجزاء التي تدخل في تركيب الكل، هو ما يسر الخاطر ويمتع العقل...وبهذا التوافق العذب تُسعد العين الحس».

عوامل مساعدة؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف