• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

كان يكتب ليكتب.. وليس ليعرفه الناس

ميشال بوتور: كل كلمة نكتبها انتصار على الموت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 13 سبتمبر 2016

مختار بوروينة (الجزائر)

«يكتب ليكتب وليس ليعرفه الناس».. لهذا قيل إنه أكبر مجهول بين المشاهير، عاش في الجبل لخصائصه الصوتية، في منزل من الآجر والخزف، بعيداً عن صخب المدينة، وظل يكتب، مستمتعاً بالصمت الذي أكرم به نفسه، وفاء لأم صماء، من أجلها لم يواصل التدرب على عزف الكمان، لأنها لم تكن تستطيع سماعه، رغم أن صديقه الشاعر جورج بيروس علمه أن تقاسيم الموسيقى تقرأ كما يقرأ الكتاب.. إنه الفرنسي ميشال بوتور «المجهول الشهير»، الذي غادر الحياة دون صخب عن عمر 89 سنة، يوم 24 أغسطس الماضي. بعد أعماله الأخيرة، كتاب عن فيكتور هوغو، وسلسلة «كتّاب حياتي»، أطفأ حواسه واستسلم لصمت عميق، مخلفاً وراءه صفة أحد مؤسسي ورواد الرواية الجديدة التي أثارت نقاشاً حاداً، مع بدايات صدور رواياته الأربع، كانت أولاها «ممر ميلانو» عام 1954، ثم «جدول زمني» عام 1956، و»التحول» عام 1957، وروايته «التحوير» عام 1957، «أين أخاطب القارئ بضمير الجمع»، و«صور عبر لائحة الطعام.. رحلة رجل في القطار إلى روما».

من بين العبارات التي رددها ميشال بوتور (1926 2016) دوماً في حواراته: «كل كلمة نكتبها هي انتصار على الموت»، و«لا أكتب لكي يعرفني الناس»، وكانت الخيط الذي نظم حياته حتى اللحظة الأخيرة، وبشكل عصي على التصنيف: فيلسوف، شاعر، مؤلف كتب عن الفنانين، وألبومات للأطفال، أستاذ جامعي، وصاحب نظريات في الموسيقى، والرسم والأدب، ومصور فوتوغرافي، لم يتوقف عن الطواف حول العالم، بحثاً عن التجدد الدائم.

في حركته المستمرة، يأخذ لنفسه مقولة جيل بيري في زوار المساء: «منسي في بلده، مجهول خارجها، هذا هو قدر المسافر. إذا كان اسمه معروفاً، فكتاباته الكثيرة أقل شهرة»، ينطبق ذلك على سجل كتبه المنشورة، الذي يدفع للتساؤل عن الغزارة التي جعلته يحتمي بها من العالم الخارجي، حيث لقاءاته الكثيرة وكتبه، وهي نتاج مركز لعلاقات صداقة مع أناس موتى أو أحياء.

أعادت مجلة «تيلراما» الفرنسية مؤخراً نشر حوار كان قد نشر قبل ثلاث سنوات، وسجلت بشكل بارز تولي بوتور التدريس في الخارج، في مصر، اليونان، إنجلترا، الولايات المتحدة الأميركية، لكن محطة مصر علمته الكثير خلال السنة الدراسية 1950 - 1951، حيث كان الدكتور طه حسين وزيراً للمعارف ومتشبعاً بالثقافة الفرنسية، يحاول أن يجعل الفرنسية في مرتبة الإنجليزية في التعليم الثانوي المصري، وكان كل المثقفين يسعون للتخلص من الهيمنة الإنجليزية، بتعلم الفرنسية التي كانوا ينظرون إليها بوصفها واحدة من نقاط تحررهم؛ لذلك جلبت مصر عدداً من الأساتذة الفرنسيين الشباب، وكان ميشال بوتور واحداً منهم، ووجد نفسه في مدينة صغيرة على بعد 200 كيلومتر من القاهرة، أمام أقسام تضم ستين تلميذاً، أكثر منه قوة بدنية، ولا يعرفون كلمة واحدة من الفرنسية، وكان يتواصل معهم من خلال الرسوم على اللوح الأسود التي يوضحها بتعريفات منطوقة، وتخلى جزء كبير منهم عن التعلم، وكانوا في حالة هيجان، وكان الأمر صعباً على الفرنسي بوتور، لكنه اكتشف طرق تعبير، تحولت مع الوقت إلى متع فنية.

لقد جعلته صفة «معلم هامشي»، التي ينعت بها، يستخلص أن صعوبات مصر هي نفسها التي واجهها من قبل في فرنسا، التي تستمر أزمة التعليم فيها، منذ وقت طويل، وهي مشكلة عدم تلاؤم البرامج، منذ الحرب العالمية الثانية.. فبعد الحرب كان الشعب منقسماً إلى طبقتين. الناس الذين عاشوا ما قبل الحرب كانت لديهم فكرة واحدة، وحين انتهت كان صعباً عليهم غلق القوس، ومحاولة إيجاد مكان لهم، مثلما كان الأمر سنة 1937، وبالطبع لم يسر الأمر على منوالهم.. وتبدو الإشكالية عميقة الجذور في إجاباته: «هناك شبان مثلي خرجوا من الحرب مقتنعين بأن الإمبراطورية الفرنسية لم يعد لها وجود، وأن الإمبراطورية الفرنسية كانت أكذوبة، وأصل الأزمة في التعليم ينبغي البحث عنه بالذهاب إلى تلك المرحلة، وحتى اليوم يجري تقديم ما عليه الوضع في العالم بطريقة غير صحيحة، بل ومغايرة تماماً للواقع. يجد الفرنسيون صعوبة في فهم أن زمن الإمبراطوريات الاستعمارية قد ولى، وأن باريس لم تعد العاصمة الثقافية للعالم، بينما حاول البعض تقديم إجابات وهمية، وقال البعض إن العاصمة الثقافية العالمية صارت نيويورك، وآخرون قالوا برلين، لكن كل ذلك خطأ، فلا توجد عاصمة ثقافية للعالم اليوم، وإذا وجدت، فهناك عواصم عدة، وحتى الآن لا يفهم هذا الكثير من الساسة الفرنسيين».

في كتابه «موبيل» الصادر عام 1962 حول الولايات المتحدة، ظهر كمبشر بما هو عليه جهاز الكمبيوتر اليوم، ورافق ذلك فيما بعد برؤيته للكتاب الرقمي «إنه دعامة جديدة تحمل الكثير من الاحتمالات والفرص، ونحن لا نزال في بداية الإرهاصات الأولى.. لو كنت شاباً لتعلقت شغفاً بهذا.. حتى الآن للأسف، يتعلق الهوس بإنتاج لوحة رقمية تشبه إلى حد كبير الكتاب الورقي، تعيد إنتاج الحبيبات والتصفح...».

إن العالم الرقمي عند بوتور، بقدر ما يسجل تطويره من قبل البنوك وأوساط المال والأعمال، وهم غالباً أناس ذوو حساسية سطحية؛ لأنهم لا يفهمون عميقاً ما اخترعوه بما أنه يجلب لهم القليل من المال، وهو كل ما يريدونه، فإنه يدعو الشعراء ليكون لهم دور، فلا يوجد سوى الشعراء ليدلوا على الطريق، وعلى ما في داخل الأماكن المجهولة، كمثال «تويتر» الذي يفرض حداً محترماً للكتابة بـ 140 كلمة، مثلما كانت «السونيتات» (قصائد من 14 بيتاً) في القرن التاسع عشر، وكان قليلون يمكنهم الاستفادة من أشياء ذات معنى، وقلة فقط كانت قادرة على إبداع «سونيتات» مهمة، من بين ملايين الكتاب على مدار تاريخ الأدب.

ألهم الصمت «بوتور» الكتابة، ومات في أعماقه، وهو الصمت الذي يحيل إلى قراءته مجدداً، بالسر الذي أحب من خلاله ملامسة الكتب التي يعبر لها عن حنانه واحترامه، فيقول: «حينما كنت صغيراً، كنا ننظف الكتب كل عام مع والدي، وأحببت كثيراً تلك المناسبة، وتعتبر كتب جول فيرن ووالتر سكوت كتباً للأطفال، نستطيع التعامل معها دون خوف، لكن كتب روسو ومونتسكيو كان علينا الاحتراس جيداً عندما ننفض الغبار عنها».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا