• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

كيس اللبان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 يناير 2014

حامد الفقيه

روزنامة الريفيين تشير إلى الشتاء القاسي بصقيعه، وهأنا أتحسسه بوجع أطرافي من قضمات أسنان الصقيع. قررت اليوم أن أحمل ما بقي من جسدي سليماً من قضمات البرد إلى ملجأ يحميني، وعلى ظهري كيس اللبان. أحث خطوات روحي على المضي. أفتش في ذاكرة الأماكن، وأستنشق رائحة استراحة الظهيرة، ورائحة زيت شعرك تفوح فتهب نسائمها ملطفة إحراق الظهيرة لأنفاسي. يتندى جبيني اليوم بحبات العرق بسبب حمل كيس اللبان، فأتلمس الحبيبات كما كنت يومها أمسح تلك الحبيبات من على جبينك.

أسأل الطريق المؤدي إلى سفح جبل (الحريوة) الذي كنا نجمع منه الحطب عن مواويلك التي كانت تفتح أبواب الصباح بوقع أحزانها، وأتلمس أغصان «الأثل» المالحة علها حملت بعضاً من حدائك. فأجدها عارية من الحياة، إذا ما أوجعتها ريح تهب وتتراقص أغصانها، فيتطاير منها دقيق ملحها الأبيض بتراتيل حداء حزين.

(الدوح) الذي كنت تغسلين يديك من دموع الحطب الأخضر جف كما جف عذب صوتك.

في مكان وضع حُزَم الحطب لم يعد ذاك الحطب أخضر لقد جف روحه وعوده، وها أنا أسمع طقطقة الأرضة تحت قشوره. لم تحفظ الصخرة بجوار موضع الحطب نَفَسكِ المتتابع حينما كان يدفئ وجهها من صقيع مساءٍ لم يرحم.

الغرفة وذاكرة المساء التي هزت أركانها دعواتك ورجاؤك، وأنت ترجين لي أياماً بيضاء ومراداً موصولاً، لقد خانت رجاءك، ونست رائحة الخبز المرشوش بالسمن البلدي وهي تفتح أرواحنا قبل شهيتنا. لقد طغت رائحة الطين المخلوط بـ(تبن) الشعير على خيط دفء الفطور. أرسم على جدار الغرفة شعرك الملفوف بالطرحة البيضاء، ويديك الحاسرتين وبين كفيك أول (السبايا) من عجينة البر التي ما زالت بعض مسافات وجهها الدافئة تبعث خيط البخار الدافئ، تقدمينها لأكل وألحق طابور الصباح المدرسي، كي لا ترتلين دعوة حرّاء على عصا (الزول عثمان) مدير المدرسة، وقد رأيت يوماً أثر عصاه على رقعة يدي الصغيرة محمرة حتى وقت صلاة العصر، فصببتي عليها عذب مزنك وتلوتي عليه دعوة المكرهة. فقلبك أبيض كما الشال المغطي شعرك. ما تبقى من السبايا التي أسرتيها من فم النار تجعلينها في حقيبتي، كي لا أجوع إلى حال عودتي وقت الظهيرة. اليوم يتساقط جدار الغرفة من نشيج ندائي لك، وتتكسر صورتك وأنت تحملين السبايا بيدك، فتتعلق قطع الجدار المتساقطة بخيوط (التبن) فأجثم ماسكاً بيدي أوصال الجدار المتساقط، كي لا تتناثر صورتك على قاع الغرفة الرمادي. أهرع سريعاً وأحمل حقيبتي عفواً «كيس اللبان» على ظهري، وأبحث عن أحذيتي البيضاء البلاستيكية مقاس 29، لا بل مقاس 43، وأجري بذاكرة طفل الصف الثاني الابتدائي وجسد الموظف الأربعيني، بحلم المستقبل الدراسي ووجع البحث عن رائحة حلمك. كان الصباح يتثاءب وعين الشمس تدثر خموله وتبعث حيويته، أما اليوم فالشمس حزينة صفراء وعينها لا تبصر الغارقين بصقيع الشتاء. ما زلت بين ذاكرة وجسد، وبحث عن حلم، أحث خطاي مسرعاً نحو طابور الصباح. وأمام صباح البحث عن رائحة وصوت لم يرحلا بعد من ذاكرتي، لم أجدهما في صفح «الحريوه»، ولا غرفة الدفء الرمادية، ولا على وجه السبايا.

خان النسيم فوحك، وتدثر وجه الصباح بأقنعة السنين. أتثاقل بالمشي في طريق المدرسة، وأتمنى أن أعود بيدين مخضبتين باحمرار العصا، علّي أجد رائحة دمعك وهو يتخلق أمام ناظري، يومها كان يتشرب قزح أحلامي رذاذ دمعك المنهمر من سحاب حنانك، فأشم رائحة المطر. طريق المدرسة اليوم طويل وقزح أحلامي مذبوح لأن الجوع أمن جهادك فحقيبتي لم تعد تحمل سبايا الفطور. أنفاسي تتكاثف ولا زلت أبحث جارياً، وفجأة يحيي هذا الصباح ذاكرة النسيم؛ فتفوح رائحتك. أتتبعها وأنا أكتم أنفاسي كي لا تدفع رائحة روحك عني أو تبعثرها. اصطدمت عينايَ باللوحة الحجرية وألوان الأمر المبهرجة (الفاتحة). ولم أكمل بقية أحرف الأمر سوى قراءتي لكلمة (دخول)...... ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف