• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

ملاحظات لها كثافة الشعر وشعرية الموسيقى

محمد بنيس يترجم «كتاب النسيان» لـ برنار نويل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 16 يناير 2014

محمد نجيم

بعد ترجمته لديوان “هسيس الهواء” للشاعر الفرنسي برنار نويل (1998)، يعود الشاعر المغربي محمد بنيس، ليقدم لنا الترجمة العربية لكتاب مُهم لهذا الشاعر وهو “كتاب النسيان” “le livre de l’oubli” الذي صدر في طبعته الفرنسية في 2012، وقد نشر هذا الكتاب، مؤخراً، عن دار النشر “توبقال” في الدار البيضاء بعد اتفاق خاص مع الناشر، في طبعة أنيقة ضمن سلسلة “معالم”.

يتناول “كتاب النسيان” موضوعا عالجه الفلاسفة، منذ الأزمنة القديمة، مثلما عالجه علم النفس في العصر الحديث. ولكن برنار نويل يقرأ النسيان في علاقته بالكتابة. وهنا تكمن استثنائية الكتاب. إن النسيان، حسب محمد بنيس في تقديمه لهذا الأثر، بصفته كنقيض للتذكر وبالتالي للذاكرة، علامة على الأدب الحديث، في إبداعيته. وما يفعله النسيان في ممارسة الكتابة هو ما يسعى المؤلف إلى النظر إليه من زوايا مختلفة. وقد اتبع، لأجل ذلك، جمالية كتابة شذرية، لها كثافة الشعر وموسيقية المقطع. إنها “ ملاحظات” (حسب عبارة المؤلف) شرع في كتابتها سنة 1979 ولم تنشر مجموعة إلا في نهاية السنة الماضية. واعتمادها الكثافة في البناء اللغوي والتنوع في حجم الكلمات، أو الانتقال من لغة نثرية إلى مقاطع من أبيات شعرية، يشير بحد ذاته إلى ما يحققه تناول موضوع النسيان من تميز في هذا الكتاب. فهو تأليف موسيقي، تنبثق من خلاله تأملات كاتب في كل من كتابته الشخصية والكتابة الحديثة، ضمن تاريخ الكتابة والتأليف في التقليد الغربي، منذ اليونان حتى العصر الحديث.

النسيان.. مسقط رأس الكاتب

يقول بنيس: “لقد راعيت في الإخراج احترام إرادة الكاتب في إبراز هذه الخصائص الكتابية باعتماد شكل نابع من طبيعة الكتابة ذاتها، يأخذ بالاعتبار التصورَ العام لفضاء الصفحة وطريقة ترتيب المقاطع، كما لو كان توزيعاً لتأليف موسيقي، مضيفاً أن المؤلف برنار نويل ينظر إلى النسيان كَكتلة، أي مادة. ومع ذلك فإن الطريقة التي ينتهجها في النظر إلى النسيان، من خلال الجسد، تحوّله إلى عُضو حيّ. ونحن نحسّ، أثناء القراءة، بأنْفاسه التي تخترق جلدنا وتتسرّب إلى صمتنا. والتشريحُ، الذي يجعلنا نقف على التكوين العُضْويّ للنّسْيان، يلخّص طريقةَ الكاتب. إنهُ يَعْرض النسيان من حيث شكلُه وطبيعتُه. ومرة تلو المرة، يقرّبنا عبر صُور شعرية من طريقة اشتغاله، أو عندما يصل بينه وبين الذاكرة والكلام والصمت والمتخيل والمعنى والسلطة والزمن والمعارف وفن الاستظهار واختراع الكتابة والمطبعة والمكتبات. هذه طريقة تتجنب منهجَ تلخيص ما كتبه الآخرون عن النسيان أو تحليله بالاستناد إلى تصورات الفلاسفة وعلماء النفس. فهيَ تنقلنا إلى مناطقَ معتمة في الكتابة وفي الحياة والموت لم نتعوّد على اقتحامها، إضافة إلى أنها تتحرّر من مبدأ بداية الكتاب ونهايته. عندها يصبح منَ العبث أن نبحث عن نسق مُغْلق في كتاب لم يصبح كتاباً إلا لأنه يأتي من نسيان مناهج الآخرين وذاكرتهم. هكذا نفهم معنى أن “النّسيان هو مسقط الرأس” بالنسبة للكاتب، إذ لا ميلاد له مع خضوعه لسطوة الذاكرة وهيْمنتها.

وبعكس الاعتقاد السائد، لا بد من قول إنه لا شيء يضيع مع النّسيان. فما ننساه يظل موجوداً في مكان مَا من الجسد ثم يعود إلى الظهور في الكتابة لا كما كان ولا إلى ما كان، بل “ككلام لكلّ ما تمّ فُقدانه”، يعودُ من المكان الأبْعد، المجهول. ولعلّ أسرار النسيان العديدة هي ما يجعل المجهول فيه أكبر من المعلوم، ومن ثم يفرضُ علينا التواضعَ في التعامل معه في كليته، كلما عجزْنا عن معرفة كيف نعبّر عنه في كليته. كتابة برنار نويل عن النسيان في زمننا، بهذه القوة الفكرية والمقاربة المفتوحة، تدلّنا على المُمْكن، المُفاجئ والحر، في زمن يُصرّ على تشويه النسيان. وإذا كان المؤلف يختم ملاحظاته بالالتفات إلى ما فرضته الدولة، من قبل، بسلطة مُراقبتها في تنظيم الذاكرة وتوجيهها وفق مصالحها، أو ما تقوم به اليومَ في الغرب من احتلال الفضاء الذهني بقصد “غسل الدماغ”، فإنه لا يتغافل عن دور تشويه النسيان في الحيلولة دون أيِّ تخيلٍ أو إبداعٍ للحاضر والمستقبل.

شعرية النسيان ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف