• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

كوريا تعيش الآن وضعاً أصبحت فيه المبادرة إلى الصفح ونسيان الماضي أفضل خيار استراتيجي بالرغم مما ينطوي عليه هذا التوجّه من افتقار للعدل

كوريا الجنوبية.. «تصحيح» التاريخ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 06 مايو 2015

تُعتبر الرئيسة الحالية لكوريا الجنوبية «بارك جيون- هاي» شاهدة عيان على التاريخ المأساوي الحديث لوطنها. وكان أبوها «بارك شونج- هي» دكتاتوراً حكم الدولة لمدة 18 عاماً من 1961 حتى 1979. وتصادفت ولادتها عام 1952 مع اندلاع الحرب المدمرة بين الكوريتين، والتي لم تنتهِ حتى الآن من الناحية الرسمية. وهي التي شهدت كيف نجحت الجارة الشمالية في امتلاك الأسلحة النووية فيما تمكن بلدها الجنوبي من بناء الاقتصاد الذي يصنف في المرتبة 14 عالمياً.

والآن، يقذف المدّ التاريخي بشخصية الرئيسة «بارك» إلى الواجهة من جديد لتواجه معضلة كبرى تعكّر صفو العلاقات بين بعض الدول في منطقة شمال شرق آسيا، وتحبط اليابان، وتدفع الصين للشعور بفائض القوّة، وتتحدى مسعاها لاتخاذ خيارات صعبة تتعلق بالهوية الوطنية والنفوذ واستراتيجيات التعاون مع الحلفاء.

وتكمن مشكلة «بارك» الأساسية بموقفها من اليابان ورئيس وزرائها الحالي «شينزو آبي»، وخاصة بعد أن أعلنت عن أن مبدأها الأساسي هو الرفض القاطع للقائه أو التحادث معه. ومع بروز النوايا العدوانية للصين، يحاول «آبي» استعادة هيبة اليابان وإحياء ماضيها العسكري التليد. إلا أن تحقيق هدفه في جعل بلده كامل السيادة بعد سبعة عقود على نهاية الحرب العالمية الثانية، يتطلب مراجعة مفتوحة وصريحة لتاريخ الحروب في القرن العشرين. وتشتمل هذه المراجعة على إنكاره التام لما يتم ترويجه حديثاً من أن اليابان أجبرت النساء الكوريات على ممارسة «العبودية الجنسية» لخدمة الجنود اليابانيين عندما كان وطن «بارك» محتلاً من طرف اليابانيين بين عامي 1910 و1945. ولقد كتب لهذه الذكريات التاريخية المريرة أن تخلق فجوة بلا قرار في العلاقات بين الحليفتين الأساسيتين للولايات المتحدة في هذه الظروف العصيبة التي تعيشها المنطقة.

وهذا الأسبوع، أصبح «شينزو آبي» أول زعيم ياباني يلقي خطاباً في جلسة مشتركة للكونجرس الأميركي حتى يذكّر الصين بقصر المسافة التي تفصل اليابان عن الولايات المتحدة اللتين تعملان على بناء علاقات أكثر قوة على المستويين الأمني والعسكري. وآثر الرئيس أوباما عقد مؤتمر صحفي مشترك مع «آبي» في حديقة البيت الأبيض وصف من خلاله العلاقات الأميركية- الكورية بأنها «غير قابلة للانفصام».

وأما فيما يتعلق بتطبيع العلاقات بين كوريا الجنوبية واليابان، فإن «بارك» ترى أن هذا لن يحدث ما لم يتبن «آبي» نظرة مصححة للتاريخ، فهل يمكن للرئيسة «بارك» أن تتبنى مسلكاً مثالياً لحل هذا الإشكال؟. يرى بعض المحللين أن في وسعها أن تعتمد خطة ديناميكية جديدة تساعد المنطقة على تجاوز التركة البغيضة لأحداث الحرب العالمية الثانية. وتتجلى أمامها الآن الفرصة لتكون القائدة الآسيوية الرائدة التي تتحدى التاريخ، وتلعب دور المرأة الوطنية الرائدة، وأن تحاكي نيلسون مانديلا وتسامح اليابان على تشويه الحقائق.

إلا أن هذا الجنوح نحو التسامح ينطوي على المخاطر لأن الإيماءات التصالحية مع اليابان يمكن أن تعدّ انتحاراً سياسياً للرئيسة «بارك» بسبب الشعور العام السائد في بلادها. ويقول «سكوت شنايدر» المتخصص بالشؤون الكورية بـ«مجلس العلاقات الخارجية» في نيويورك: «ليس ثمّة من إنسان مهتم بقضايا كوريا يمكنه أن يكون أكثر إحساساً منها بالتاريخ. ولم تشهد كوريا الجنوبية رئيساً أكثر اهتماماً بالتاريخ منها. والسؤال المطروح الآن: هل يمكنها أن تتجاوز التاريخ؟. والجواب هو أن كوريا تعيش الآن وضعاً أصبحت فيه المبادرة إلى الصفح ونسيان الماضي أفضل خيار استراتيجي بالرغم مما ينطوي عليه هذا التوجّه من افتقار مفجع للعدل والإنصاف».

وفي عام 2012، أصبحت «بارك» أول رئيسة أنثى تحكم كوريا الجنوبية، وأول رئيسة منتخبة في منطقة شمال شرق آسيا. وكان شعارها الانتخابي «رئيسة في خدمة الشعب» والعمل لتحويل كوريا إلى «أمة أكثر شعوراً بالسعادة». وليس للرئيسة «بارك» زوج، وهي تقول إنها «متزوجة من وطنها كوريا»، وأنها المرأة التي عايشت مآسي بلدها وعاصرت فترة نهوضه وارتقائه.

روبرت ماركوند

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا