• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

عندما تقتنع بالتناقض السياسي الفوقي بين الدول والانسجام الاستخباري التحتي بينها ستفهم طبيعة العلاقة بين إيران وإسرائيل وبين إيران وأميركا

قرأت أحداث العالم من تحت.. فارتحت!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 06 مايو 2015

(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ليس هذا فحسب، ولكن الآية الكريمة من سورة «الروم» تكتمل بآية أخرى تقول: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا).. بمعنى أنه حتى الذي نعلمه مجرد ظاهر لا قيمة له ولا معنى. ونحن نحكم بالظاهر الذي قد يكون خطأ وخداعاً وكذباً. كل استنتاجاتنا وتحليلاتنا السياسية وغيرها مبنية على الظاهر الذي يكون غلافاً مخادعاً لباطن متناقض تماماً مع الظاهر، الذي نبني عليه أحكامنا. وما خفي دائماً هو الأعظم والأصوب وما ظهر هو دائماً الأكذب الذي لا قيمة له.

وأظن. وليس كل الظن إثماً - أن دور رجال السياسة ومحلليها ونشطائها وإعلامييها وكتابها أصبح الآن هامشياً جداً ولا قيمة له ولا معنى وأنهم جميعاً صاروا دمى على مسرح عرائس كبير يمتد بطول العالم وعرضه. وأن الجالسين على مقاعد المتفرجين بقاعة المسرح ونحن منهم بالطبع يتوهمون أن البطولة المطلقة لهذه الدمى التي تتحرك وترقص وتغني على المسرح. ويضحك هؤلاء المتفرجون، أو يبكون أو ينفعلون، ويتفاعلون مع الدمى، وهم في الحقيقة يعلمون ظاهراً ويتفاعلون مع ظاهر على خشبة المسرح. ولا يعلمون أبداً أن هُناك أصابع خلف الكواليس والستار تحرك هذه الدمى التي لا حول لها ولا قوة ولا حياة، ولا رأي ولا دور، وأن البطولة المطلقة والحقيقية لهذه الأصابع الخفية.

العالم كله الآن يُدار من تحت كراسي الحكم لا من فوقها. والجالسون على مقاعد السلطة حتى في أكبر دول العالم لا يحكمون، ولكنهم محكومون بمن يحركهم من تحت المقاعد السلطوية، بل إن هؤلاء لا يجلسون على مقاعدهم ولا يصلون إليها إلا إذا وافقوا على شروط اللعبة، وهي أنهم يدارون أولاً ثم يديرون. ويتلقون الأوامر أولاً، ثم يأمرون. والحاكم الذي كان يُقال عنه في الماضي ظل الله على الأرض، أصبح اليوم ظل أجهزة استخباراتية على كرسي السلطة. الساسة لا يحكمون، ولكنهم خاضعون لشروط وأجندات أجهزة جبارة وآلة مخيفة تدير العالم كله من وراء حجاب. وحرية الحكام في العالم كله محدودة للغاية، وتكاد تكون معدومة وكثيراً ما يفعلون ويقولون ما يناقض قناعاتهم، لكنه يتوافق مع قواعد اللعبة التي ارتضوها، لذلك يتحرر هؤلاء المسؤولون من قيود السلطة بعد تركهم المناصب، ويعبّرون في مذكراتهم عن قناعاتهم الحقيقية التي تناقض تماماً ما كانوا يقولونه ويفعلونه وهم في المنصب.

وإذا سلمنا بهذه الحقيقة التي تقول إن العالم كله محكوم من تحت وليس من فوق. فسوف تردد معي شعاري الذي أقوله دائماً: (قرأت العالم من تحت فارتحت). وستجد تفسيراً منطقياً لهذا التناقض المقيت والقاتل في الأقوال والأفعال والتصريحات. وستجد جواباً شافياً لسؤال (لماذا)؟

هناك دول تتناقض سياسياً في الظاهر حتى العداء السافر والتلويح بالحرب، ولكن بينها تنسيق استخباري وأمني في غاية العمق والانسجام وأنا أصدق الرئيس السوري بشار الأسد تماماً عندما قال إن هناك تنسيقاً استخبارياً واسعاً بين نظامه وفرنسا رغم أن فرنسا على الجانب السياسي أو فوق الكرسي تقف بقوة ضد نظام بشار الأسد وترى ألا دور للأسد في مستقبل سوريا. هذه المقولة المملَّة التي يرددها كل حكام العالم تقريباً.. لكن من أسفل أو من تحت المقاعد هناك طبخات بنكهات مختلفة يتم تحضيرها في مطابخ الاستخبارات - والمقولة التي يرددونها عن أنه لا دور للأسد في مستقبل سوريا مقولة فوقية، وأما المقولة التحتية والحقيقية، فهي (لا مستقبل لسوريا.. أو لا سوريا في المستقبل).

وعندما تقتنع بالتناقض السياسي الفوقي بين الدول والانسجام الاستخباري التحتي بينها ستفهم طبيعة العلاقة بين إيران وإسرائيل وبين إيران وأميركا.. وبين إيران التي ترفع شعار نشر المذهب الشيعي والجماعات الإرهابية التي تدعي أنها سنية، مثل: «الإخوان» و«داعش» و«النصرة» و«القاعدة».. وسترى أن الأمور التي كانت ملتبسة عليك صارت واضحة لأنك ستقتنع بأن الظاهر الفوقي لا قيمة له ولا يمكن البناء عليه وأن الخفي التحتي هو الحقيقي وهو الأساس المتين الذي تبني عليه مواقفك ومواقف الآخرين.

أسئلة كثيرة ستجد لها أجوبة إذا اقتنعت بأن الأساس هو التحتي وليس الفوقي وهو الخفي وليس الظاهر.. ستعرف لماذا تطول الحرب على داعش؟ - لماذا مواجهة الإرهاب في بلد ما والسكوت عنه وتأييده في بلد آخر؟ لماذا هذه مجموعة إرهابية وتلك مجموعة معارضة وناشطة؟ لماذا عندما تنحسر الأضواء عن «حزب الله» وتسقط عنه ورقة توت وقناع المقاومة، تسارع إسرائيل بتوجيه ضربة له؟ لماذا في لحظة واحدة تم دحر «داعش» وهزيمته على أبواب أربيل في شمال العراق، بينما ترك يرتع ويلعب ويتقدم في أنحاء البلاد الأخرى؟ وكلما طالت الحرب على «داعش» بمباركة الأصابع الخفية من تحت الكراسي يقول العامة في العالم العربي إن العالم كله يواجه «داعش» وعاجز عن هزيمته لأن الله ينصر «داعش» ويؤيده. طول الحرب على الإرهاب بلا نتيجة يتركُ عند العامة انطباعاً بأن الإرهاب على حق - طول الحرب على الإرهاب بلا نتيجة يزيده قوة ويُكثر أنصاره. وهذا مطلوب على المستوى التحتي. الاستخبارات والأصابع الخفية تريد للإرهاب أن ينمو ويترسخ ويقوى لأنه السبيل الوحيد لتمزيق المنطقة لمصلحة إسرائيل - إسرائيل نفسها تدعم «داعش» وأضرابه على المستوى التحتي، ودعك من إدانة الإرهاب من فوق الكراسي.. المهم مباركته ودعمه من تحت الكراسي، بل إن المسألة أعمق بكثير من مجرد الدعم والمباركة وتتجاوز ذلك إلى صناعة الإرهاب والإرهابيين التي صارت من أقوى أسلحة أجهزة الاستخبارات. تماماً مثل تحضير الفيروسات القاتلة في معامل أجهزة الاستخبارات ونثرها ونشرها ثم اختراع أمصال للقضاء عليها. كلها مكاسب - فالإرهاب والفيروسات أخطر أدوات الاستخبارات في العالم خصوصاً في الدول الكبرى. كل الألغاز ستجد حلاً إذا قرأت الخفي وتركت الظاهر. إذا عرفت أن تحضير العفاريت لعبة استخبارية مخيفة وأن صرفها أيضاً لعبة خطيرة. وفي حالتي تحضير وصرف العفاريت تتدفق الأموال في جيوب وأرصدة الذين يمتلكون أدوات وقواعد اللعبة. اقرأ العالم من تحت الكراسي لا من فوقها. اقرأ ما يدور خلف الستار والكواليس، ولا تشكل رأيك وانطباعك من خلال الدمى التي تتحرك على مسرح العرائس - وقد فعلت ذلك.. قرأت أحداث العالم من تحت فارتحت!

محمد أبو كريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا