• الجمعة 08 شوال 1439هـ - 22 يونيو 2018م

أحد أسباب حياة القلوب

ذكر الله.. شأن خاص بالمؤمنين والطريق إلى التقوى

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 09 يونيو 2018

أحمد محمد (القاهرة)

من رحمة الله بخلقه، أن أنعم عليهم النعم وأسبغها، فنعمه لا تُعد ولا تحصى، وإن من هذه النعم نعمة اللسان الذي يكون به النطق والبيان، وبه يذكر الإنسان ربه الكريم، فذكر الله تعالى به تحيا وتطمئن القلوب، نشاط دائم يقوم به المسلم طوال يومه، فالتسبيح والاستغفار والنصيحة ذكر، وقراءة القرآن ذكر، والتفكر في السموات والأرض ذكر، والصلاة ومدارسة العلم ذكر، والمراد بالذكر، الذكر القلبي اللساني، والمقرون بالعمل والذي تصدقه الجوارح، الذي نشكر الله من خلاله على نعمه علينا، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)، «سورة الأحزاب: الآيات 41 و42». ويقول العلماء، الذِكر أعم يشمل التسبيح والتحميد والتهليل، فهو علم والتسبيح قسم منه، فلقد فرَّق القرآن الكريم بين الذّكر والتّسبيح، فقال تعالى على لسان نبيه موسى في سورة طه: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً)، «الآيات 33 و34»، وكل منهما في آية مستقلة، فالذّكر طريقة حياة وفقاً لإرادة المعبود جل في علاه في كل وقت وحين، بينما التسبيح هو حمد وتعظيم وتنزيه قولي لله رب العالمين في أوقات مخصوصة.

قال العلامة ابن سعدي: مدار العبادات كلها والدين على ذكر الله، والذّكر صورة تنظيمية لكل شؤون الحياة، أما التسبيح، فهو صورة قوليه بألفاظ محددة، يساعد على التدريب على ذكر الله، لكن ذكر الله أعم وأشمل وأعلى قدراً من التسبيح، والذّكر صورة من صور الحياة الفكرية للقوالب البشرية المؤمنة إيماناً حقيقياً، وهو في ذات الوقت سمو بالروح، وصورة من صور الفعل والقول والصمت في كل أوقات الحياة، فالتفكر صورة من صور الذّكر.

والذّكر شأن خاص بالمؤمنين من البشرية المكلفة به على أسرها، لأنه فريضة على المخيّرين، حيث يقول تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً)، «سورة الأحزاب: الآيات 72 و73».

فالمسلم الذّاكر له قلب خاشع، وفكر ذاكر، وضمير شاكر، ونفس صابرة محتسبة، له واعظ في نفسه، يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، حتى إن وقع في المعصية فإنه يكون معذباً بسياط ضميره، لأنه أوّاب مهما أذنب، لذلك فمن حسن إسلام المرء التدرّب على الانشغال بالله في كل دروب حياته، فهذا أول مراتب الذّكر، فالذاكر الحق ينشغل بالله في كل حال.

وذّكر الله، أحد أسباب حياة القلوب، فإن أهل الكتاب لما قست قلوبهم عن ذكر الله، ذمّهم في القرآن، فضلاً عن أنه بيّن للمسلم أن الطريق إلى التقوى يمر عبر بوابة الذّكر، وبيّن أنه لا يكفي المسلم أو المؤمن المخلص إسلام أو إيمان، بل لا بد أن يخضع قلبه للخشوع الدائم عبر ذكر الله، وفي ذلك قال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)، «سورة الحديد: الآية 16»، فالإيمان ليس كافياً للوصول إلى درجة الخشوع، بل على المرء أن يستدفع إيمانه إلى طريق الخشوع عبر ذكر الله الدائم، فالذكر هو الحقيقة الكبرى في كيان سعادة البشرية، ومنبع ومنتهى السعادة في الدارين للسالكين في رحابه، فذكر الله المطلوب هو الذّكر الكثير، ويكون من قيام ومن قعود وعلى جنب، ويكون بالفكر وباللسان وبالجوارح وفي كل وقت.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا