• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

الانفصاليون يردون به على سقوط «يانوكوفيتش»

استفتاء لوهانسك ودونيتسك.. ثورة مضادة في شرق أوكرانيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 17 مايو 2014

ليونيد بيرشيدسكي

كاتب وروائي مقيم في موسكو

الاستفتاءان المضحكان اللذان عقدا يوم الأحد الماضي في إقليمين بشرق أوكرانيا هما دليل على أن استيلاء روسيا على القرم كان على الأرجح حدثاً بلا مثيل. فحتى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بما يشتهر به من قدرة على التلاعب بالحقائق، لم يستطع أن يحمل نفسه على الاعتراف بالنتائج غير المعقولة. ورد موسكو الفاتر يقول للأوكرانيين إنه قد حان الوقت للتوقف عن خوض حرب وهمية مع بوتين، والبدء في عملية معالجة إذا أرادوا الحفاظ على وحدة بلدهم. وعقد الاستفتاء على الانفصال في منطقتي دونيتسك ولوهانسك اللتين يصل إجمالي عدد سكانهما 6.5 مليون نسمة أي 14 في المئة من سكان أوكرانيا. ولم يفلح المنظمون في المنطقتين اللتين تزعمان أنهما «الجمهوريتان الشعبيتان» في لوهانسك ودونيتسك في إضفاء طابع من الشرعية ولو من بعيد على عمليات التصويت. فمراكز التصويت كانت قليلة والمسافات بينها بعيدة، فمدينة «ماريوبول»، التي يقطنها 460 ألف نسمة لم يكن بها إلا أربعة مراكز مما تسبب في طوابير طويلة من المتقاعدين. والقوات الأوكرانية التي تقوم «بعملية لمناهضة الإرهاب» في المنطقتين كانت دائماً في الطريق بين مراكز الاقتراع. ودون إمكانية الحصول على القوائم الانتخابية كتبت بعض مراكز الاقتراع أسماء الناخبين بخط اليد ببساطة. ولم يكن هناك أسهل من التصويت في عدة مراكز أو التقاط أوراق اقتراع لحملها لأقارب وهميين. وهذا بالضبط ما فعله صحفي من موقع «نوفستي دونباسا» المحلي على الإنترنت، فقد صوت بالرفض على الانفصال أربع مرات، وأخذ ورقتي اقتراع لزوجته غير الموجودة.

لكن الانفصاليين أعلنوا رسمياً أنهم أحصوا كل الأصوات وأن نسبة المشاركة بلغت ما بين 70 و75 في المئة وأن 90 في المئة تقريباً أيدوا حق الإقليمين في تقرير المصير. وهذه النسبة هي الأقل مقارنة بالاستفتاء الذي جرى في 16 مارس على انضمام شبه جزيرة القرم لروسيا، حيث وصلت نسبة المشاركة 83 في المئة، ووافق على انضمام الإقليم لروسيا 97 في المئة. وراهن بوتين على هذه المهزلة الانتخابية الأخرى التي نظمت في عجالة ودون قوائم للناخبين أيضاً، لأن روسيا كانت تحظى بشعبية بالفعل في شبه جزيرة القرم. وقدرت بعثة لتقصي الحقائق من «مجلس المجتمع المدني وحقوق الإنسان» التابع للكرملين أن نسبة المشاركة الفعلية بلغت ما بين 30 و50 في المئة، وأن نسبة من صوتوا بنعم كانت بين 50 و 60 في المئة. التقرير أزيل بسرعة من موقع المجلس على الإنترنت، لكن لو كانت أجريت عملية تصويت حقيقية لظلت الأعداد في صالح روسيا. وفي «دونيتسك» و«لوهانسك» لا توجد إمكانية للتوصل إلى تقدير ولو بعيد للغاية عن الدقة عن المسار الذي كان من الممكن أن يسير فيه تصويت سليم. لذا فبينما روسيا لا تخبئ حقيقة تحيزها للانفصاليين المتحدثين بالروسية لكنها لم تستطع إلا تقديم أكثر الردود الرسمية غموضاً. وجاء في بيان للكرملين «موسكو تحترم التعبير عن إرادة سكان إقليمي دونيتسك و لوجانسك.. وتتفهم أن التحقيق العملي لنتائج الاستفتاء سيتبع طريقاً متحضراً دون أي حدوث للعنف وعبر الحوار بين ممثلين من كييف ودونيتسك ولوهانسك».

وربما تم تحذير منظمي عمليات التصويت أن بوتين لن يأتي مسرعاً على ظهر فرس أبيض ليرحب بهم في روسيا. فقد بدأوا يتراجعون حتى قبل بدء التصويت. وحذر «رومان لياجين»، الذي يرأس اللجنة الانتخابية للمتمردين في «دونيتسك» من أن إجراء تصويت على الانفصال لا يعني أن المناطق ستسلك طريقاً آخر على الفور بعيداً عن أوكرانيا، بل قال «إنه مجرد إعلان بحقوقنا القانونية... نريد أن يُسمع صوتنا». وحتى الآن بينما تسمع كييف الجلبة في الأقاليم المتمردة فإنها لا تنصت حقاً. وقال الرئيس الأوكراني المؤقت «الكسندر تيرتشينوف» «إن مهزلة دعوة الإرهابيين والانفصاليين إلى إجراء استفتاء ليس إلا تغطية دعائية للقتل والخطف والعنف والجرائم الأخرى». ومازالت قعقعة «عملية مناهضة الأرهاب» مستمرة. وفي «دونيتسك» وحدها رصدت مصلحة الصحة المحلية وفاة 49 شخصاً منذ بداية الاشتباكات واندلاع الشغب في مارس الماضي. وبسبب تحركات الجيش الأوكراني العبثية وإطلاقه النار أحياناً على متمرد أو اثنين، زادت الهوة بين القوات الأوكرانية وبين المحليين الذين أعدموا قائد الشرطة في «ماريوبول» بعد أن استدعى الحرس القومي.

والاستفتاءان ليسا حقيقيين لكن الغضب والفوضى حقيقيان. وليس الاستفتاءات ولا التهديد العسكري الروسي هو ما يجب على أوكرانيا وجيرانها الغربيين أن يقلقوا بشأنه الآن. فموسكو متعاطفة مع التمرد في شرق أوكرانيا، لكن أصدقاء الرئيس الأوكراني المخلوع «فيكتور يانوكوفيتش» يحتاجون هذا التمرد أكثر بكثير مما يحتاجه بوتين. وفي مقابلة مع صحيفة «روسياسكايا جازيتا» الروسية المملوكة للدولة اتهم «بافل جوباريف»، أحد زعماء التمرد، بشكل غير متوقع الكثير من رفاق السلاح بالحصول على أموال من «رينات أحمدوف» أغنى رجل في أوكرانيا والحليف لفترة طويلة لـ«يانوكوفيتش»، وصعد سياسيون من حزب الأقاليم الذي ينتمي إليه «يانوكوفيتش» في الآونة الأخيرة الدعوات لانسحاب قوات كييف من شرق أوكرانيا. فالخاسرون في ثورة الشتاء الماضي يأملون في العودة في نسخة ناجحة من الثورة المضادة التي خسرت المعركة في إقليم فيندي الفرنسي ضد الثورة الفرنسية عام 1793. فما تحتاجه كييف هو التركيز على التصدي لهذا، فإن التوصل إلى اتفاق بدافع المصلحة مع عصبة أحمدوف-يانوكوفيتش، قد يوقف على الأقل نزف الدماء ويسمح للجروح أن تبدأ في الاندمال. وعلى الجانب الآخر فإن هذا سيخفف من حدة المثل الثورية، فمن المفهوم أن تتردد الحكومة الانتقالية في شراء السلام قبل انتخابات 25 مايو الرئاسية. وبعد التصويت سيظل الاتفاق أكثر الحلول فعالية لكن مهمة إبرامه سيقع على عاتق رئيس منتخب، والخيار البديل هو الإصرار على استخدام القوة مع احتمال المزيد من نزف الدماء واستمرار الغضب فترة أطول.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا