• السبت 22 ذي الحجة 1437هـ - 24 سبتمبر 2016م

أيام معلومات..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 سبتمبر 2016

حياتنا رحلة ممتدة متعددة الصفحات بين «أيام معدودات» و«أيام معلومات»، والرحلة الإبراهيمية أسمى وأقدس الرحال الأرضية نحو المراتب السماوية تقرباً لرب البرية جل في علاه. مبتدأها أفئدة لبَّت نداء مولاها حين أذن بالحج، فأتت تسعى من كل فجٍّ عميق إلى البيت العتيق، تصدح الحناجر بالذكر، ينزعون عنهم كل عِرق وطيف ولون، ويذوب كل شيء في التوحيد بنداءٍ رباني، يؤدون شعائر واحدة، على قول: «الله أكبر» يخرُّون على نواصيهم ساجدين راجين ساعين، وعلى «سمع الله لمن حمده» يرفعون الجباه خاشعين وَجِلين مستبشرين، في مشهد حارت في لوحته كل الألسنة والأقلام والعدسات، لا تلمحه حتى تهفو إليه النفس، ولا تراه حتى تتلو {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، «سورة الأنبياء: الآية 92».

لنتأمل بعمق نزهة الروح إلى بارئها مُحرِمة بالتحلل من الثياب المَخِيطة، وقد غادرت كل مظاهر الدنيا الفانية، لا يشغلها سوى أن تُحلِّق بجوارحها إلى بارئها، نادمة تائبة، مشتاقة توَّاقة، مستغفرة طامحة عازمة على ميلاد جديد، وعفو رب مجيد، بين يديه تطرح الهموم، وتفيض من المآقي الدموع، لا تملك من بضاعتها المزجاة سوى النقاء والتجرد والرجاء والتزود، وكأنها تستعد لرحلة الختام، تناجيه بإقبال وتضرع، وترجوه ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، فالأرواح طاهرة، والقلوب للرحمن خاشعة، ساعية لنيل القبول الموفور من صاحب البيت المعمور. ينادي رب العزة، ويلبِّي العبد النداء «لبيك ربي»، بسكينة الحب والتعظيم والخضوع والتسليم ورجاء النعيم المقيم، تلبية العبودية الدائمة، والإقرار بوجود الكمال المنزه عن كل نقص، والاعتراف بأنه ملك له، مقراً ومردداً «إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».

وفي صحن الكعبة، تكون في حضرة بيت أرست قواعدَه ملائكةٌ مطهرون، فيه هدى وبركة وعظمة وقدسية (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)، «سورة آل عمران: الآية 96»، تسكن فيه النفس وترتاح، فهو المكان الذي شرفه الصادق الأمين ومهد منه رسالته للعالمين، تشعر فيه بالطمأنينة واليقين. يدرك كل قاصد أن هذه البقعة المباركة لها خصوصية تفردية، ويؤكد ذلك توسط مكة المكرمة من اليابسة، كما أن بُعدها عن أطراف القارات السبع متساوية تماماً بمسافة 13.600كم. هناك تستحضر كل معاني التعظيم للبلد الحرام بكل مفرداته، مصداقاً لقوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)، «سورة الحج: الآية 32».

والحاج في طوافه يحاكي حركة الكون الدؤوب وطاعته المطلقة لله علام الغيوب، يطوف عكس عقارب الساعة كما يدور القمر حول الأرض، والأرض والكواكب حول الشمس، والشمس حول المجرة؛ {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، «سورة الأنبياء: الآية 33»، يطوف حول الكعبة وقلبه متعلق بها، يبوح لها بأمانيه وآماله، بهمومه وآلامه، ينتهي من حيث بدأ، ويبدأ من حيث انتهى، كما دورة الحياة، ولا مفرَّ منه سبحانه وتعالى إلا إليه.

وتسير الرحلة نحو السعي بين الصفا والمروة وما فيها من دروس وعبر، تمتد إلى اليوم المشهود، للحج الأكبر، للقاء المفتوح بين العبد وربه، يتنزل فيه الله إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم ملائكته: «أنظروا إلى عبادي أتوني شُعثا غُبرا من كل فج عميق، أُشهِدكم أني قد غفرت لهم»، فما من يوم أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة.

ثم يأتي العهد والميثاق الغليظ حين يواجه الإنسان الطاغوت الأكبر والمراوغ الأعظم الذي يلون له الدنيا وملذاتها ويغريه بمتاعها ليحيده عن الطريق الصواب، فيرجمه بحصيات، ثم يعود إلى منى استعداداً لدخول أروقة الدنيا بعهدٍ جديد مع خالقه، مستحضراً الهدف الرباني من رحلته في الوجود: العمل بالتقوى والإيمان، والإعمار بالعدل والإحسان.

الدكتور - عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف تقيم الأداء العربي في أولمبياد ريو؟

جيد
عادي
سيء