• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

«عساكر قوس قزح» لأندريا هيراتا باعت 5 ملايين نسخة

سيرة أندونيسية ضد الإقصاء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 مايو 2014

د. لينا عوض

حين صدرت روايةُ «عساكر قوس قزح» عام 2005 بيع منها ما يزيد على 5 ملايين نسخة في أندونيسيا، وكان لها أن تنتظر ليُعاد اكتشافُها من جديد، وبشكل أوسع بعد صدور الترجمة الإنجليزية للرواية في عام 2012 ولتحقق مبيعات جعلتها واحدة من الروايات الأكثر مبيعا في العالم. وجاءت الترجمة العربية لتُعرّف القارئ العربي بهذه الرواية عام 2013 حين صدرت عن دار المنى وبترجمة متميزة للمترجمة سكينة إبراهيم، لتكون بذلك أول رواية أندونيسية تُنقَل إلى العربية، بالإضافة إلى كونها واحدة من أبرز الأعمال الأدبية العالمية التي صدرت في العقد الماضي.

عندما قرأتُ رواية «عساكر قوس قزح» للمرة الأولى تذكرتُ على الفور ذلك التصدير الذي أثبته جابرييل جارثيا ماركيزفي كتابه «أن تعيش لتحكي»: «الحياة ليست هي ما عاشها المرء، بل ما يتذكره، وكيف يتذكره ليحكيه».

إعادة إنتاج الواقعة

فالرواية مبنية على أحداثٍ واقعيةٍ مستمدةٍ من حياة أندريا هيراتا، بل إن بعض المراجعات للرواية ذهبت إلى حد القول بأنها جزء من السيرة الخاصة بأندريا هيراتا. وبتجاوز النقاش حول روائية السيرة، وسيرية الرواية، الذي ليس مكانه هذا المقال الموجز، يمكن للقارئ أن يدرك أهمية البناء الروائي في هذا العمل الذي يحوّل التجربة الخاصّة إلى ظاهرة ثقافية عامة من خلال تلمس ذلك التكنيك السردي الغائي الذي تعمده أندريا هيراتا، والذي يضع القارئ عند خط رفيع بين الواقعي فيما هو سيريّ والإيهاميّ فيما هو سرديّ، مع قدرة على حفظ التوازن بين الاثنين على نحو مثير للدهشة؛ فبناء الرواية الخطيّ والتقاط التفاصيل المستندة إلى الواقع الأندونيسي تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا وثقافيا، والبناء الواقعي للشخصيات فنياً، مع حضور بعض التقريرية، يقترب بالرواية من السيرية التسجيلية؛ على أن امتحان اختيارات الكاتب الروائية لتُظْهِر شيئاً آخر، فعلى سبيل المثال يَظْهَرالتنوع المذهل في مرجعيات الشخصيات الثقافية دينيا وإثنيا وطبقيا وجندريّاً ونفسيّاً؛ إذ تجمع المدرسة المحمدّية في قرية أندونيسية عشرة من الطلاب يحاربون من أجل الإبقاء على مدرستهم مفتوحة، وهم جميعا يأتون من مرجعيات مختلفة وشرائح متباينة تتنوع ما بين مسيحي ومسلم وبوذي ومالاوي وصيني وفتاة ذات نزوع متفرّد بخصائص نديّة وطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، بالإضافة إلى فتاة تأتي من النخبة البرجوازية التي احتفظت بالإرث الخاص للإقطاعية الخ.. وقد استطاعت معلمتهم الشابة أن تحافظ على الغنى المتحقق من الاختلاف فيما بينهم، وهو ما أوصلهم إلى إثبات أصالة هويتهم وفرادة إنجازاتهم من حيث هم مجموعة قائمة شرطيا على الاختلاف. إن القدرة على فهم الاختلاف كضرورة وجودية والاحتفاء به بطريقة دريديّة (نسبة إلى جاك دريدا) لَتُشير إلى إعادة إنتاج الواقعة السيريّة بوعي يتجاوز السرد التقريريّ التسجيليّ الذي يتوهم القارئ وقوعه في هذا العمل، ويثبت أن ما كان يقدمه أندريا هيراتا ليس نقلا لصورة المجتمع الأندونيسي في فترة محددة، بل هو إعادة تركيب لعناصر ثقافية بوعي ما بعد حداثيّ.

ويمكن لنا تتبع ذلك أيضا من خلال استعراض طريقة عرض فكرة (ضرورة المعرفة وجدوى التعليم) التي قد تظهر بشكل كلاسيكيّ مثاليّ.. على أن الأمر مع وقفة بسيطة ليَستبينُه القارئُ بطريقة مختلفة؛ إن دمج معركة المعلمة الشابة وتلاميذها من أجل الإبقاء على مدرستهم قائمة مع فكرة الصراع مع الشركات الصناعية الكبرى التي سيطرت على البلدان المستعمرة بعد خروج الاستعمار منها، يحوّل المسألة برمّتها إلى شكل من أشكال الأزمات التي تعاني منها المجتمعات المتحررة من الاستعمار، ويبيّن أن ما فعله أندريا هيراتا كان تحليلا للواقع ومساءلة للبنى الاجتماعية، وتعقيدات تشكلاتها في حقبة تفكيك الاستعمارين العسكري والسياسي، دون أن يجعل الأمر حاضرا أكثر مما ينبغي رغم بقائه فاعلاً في صناعة الحدثين التاريخي والروائيّ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف