• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

تفوق أساطير الخلق والفرضيات رغم كثرتها تتلعثم أمامها

اللغة.. معجزة حقيقية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 مايو 2014

تعتبر اللغة معجزة حقيقية وأسطورة تفوق أساطير الخلق لدى شعوب العالم القديم، بل بعد اكتشاف الجينات وتجربة النعجة دوللي باتت اللغة المعجزة الوحيدة التي تدهش كبار المفكرين والباحثين، من أقدمهم حتى نعوم شومسكي. إنها ليست من عجائب الدنيا المرئية كمعبد أرتيميس أو الحدائق المعلقة، التي يمكن تصنيعها. اللغة لا يمكن تكرار تجربتها. قد يبتكر بعضهم كلمة أو كلمات، كما فعل جيمس جويس في «عوليس». وأذكر أننا سمعنا أيام الانتداب الفرنسي بعض المفردات الجديدة التي لم نسمع بها من قبل، لم تكن من ابتكار مثقف كجويس، بل من ابتكار الناس العاديين، وفيها من الدلالة التهكمية ما يلفت نظر أبي الأسود وسيبويه لو سمعاها. ولكن المفردات لا تشكل لغة، ولو أنها... لما كانت معجزة. وهذا ما جعلها وسيلة لأشياء كثيرة، وكان السحرة ولآماد طويلة، يستخدمونها في الحب والحقد والشفاء والأذى... حتى استحضار الأرواح والتواصل مع الأرباب.

حنا عبود

ظلت اللغة وستظل الشغل الشاغل للمختصين في هذا الميدان، وظهرت فرضيات كثيرة تتعلق بالأصل والفصل، بقيت معلقة ومتلعثمة حتى الآن، وإن كانت تشتمل على جانب من الواقعية، فلا يعقل أن يقوم الباحث بمغامرة عقلية عشوائية، بل يمسك بظاهرة ويتأكد منها ثم يبني عليها. وبالنظر إلى شمولية اللغة وتشعبها، فإن فرضيته تسد جانباً ما، وتضع المهاد لتركيب جديد لا بد أن يكون مفيداً، مهما اعتقدنا أنه بعيد عن الحقيقة. فمن ذاهب أن الأم أوجدت لغة شبه موحدة في عنايتها بالأولاد فشاعت كلمات بابا وماما ودادا... عالمياً. ومن المؤكد أن التجمعات البشرية أوجدت اللغة الأولى المشتركة التي انتقلت من لغة الإشارات الأولى إلى لغة الإشارات الثانية كما يرى بافلوف، ومن قائل إن اللغة نجمت عن الثرثرة بين من يجدون فسحة طويلة من الوقت بلا عمل... ومن قائل إن الإنسان اقتبس اللغة من الطبيعة وما فيها من مظاهر ونبات وحيوان، فالصوت الإنساني تقليد لما تتلقاه الأذن وليس ابتكاراً... ولكن ماذا نقول في ألفاظ من أمثال شمس ومريخ وثور وبقرة، وأي رابط بينها وبين ما تصدره من أصوات؟ ثم ماذا عن الأشياء التي لا تصدر صوتاً ولا تمارس حركة؟ والبحر؟ أي صوت أوحى باسمه؟

وهناك من يرى أن مجتمع جمع الثمار وممارسة الصيد هو أساس نشأة اللغة... ومن ملحّ على الأنا والتأمل في تطوير اللغة إلى ملحّ على الإحساس بالآخر ووضعه في الحسبان، فتنشأ اللغة المتبادلة، ومن دون تبادل لا تنشأ لغة، فلا نظن أن إنسان روسو قادر أن يصل إلى اللغة منفرداً... وترى الدراسات العلمية الحديثة أن الجانب الأيسر من القشرة الدماغية مسؤول أول عن نشأة اللغة، ومن دونه لا يمكن أن تنشأ لغة، فعندما اختبروا الغوريلا كوكو وجدوا أن الألف كلمة التي تستخدمها والألفي كلمة التي تفهمها مرجعه إلى نموّ هذا المركز. ولكن كيف كانت حال القشرة عندما اكتشفوا حفريات لرموز لغوية في كهف بلومبوس في جنوب أفريقيا يرجع إلى ثمانين ألف عام؟

وساهم العرب كثيراً في هذا النقاش. ففي مزهر السيوطي باب “بيان واضعِ اللغة: أتوقيفٌ هي وَوَحْيٌ، أم اصطلاح وتواطؤ” عرض لما كان مطروحاً بين علماء اللغة، وهو باب فيه عمق ووجهات نظر عديدة، نخلص منه إلى نتيجة بارزة وهي أن الأيديولوجيات تؤثر في نظرة الباحث، فمن نظرة الأشعرية أو المعتزلة أو الدهرية... تلمس الخلفية الأيديولوجية التي ينطلقون منها في نظرتهم. فلا يعقل لمن يؤمن بالخلق الماورائي أن يقبل بألا تكون اللغة مخلوقة إذ لا يعقل أن يكون كل شيء مخلوقاً خلقاً باستثناء اللغة فهي وحيٌ وتوقيف وليست اصطلاحاً ولا تواضعاً...إلى آخر ما هناك من عرض مثير للآراء.

نظرية شتراوس ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف