• الخميس 04 ربيع الأول 1439هـ - 23 نوفمبر 2017م

أهدر كيري آخر عام من مهمته في عقد مؤتمرات السلام في سوريا، التي تطلبت محادثات لا نهاية لها مع الروس من دون التوصل إلى نتائج

ترامب ودبلوماسية كيري

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 22 يناير 2017

إيلي ليك*

سيحسن فريق الأمن الوطني الذي سيعينه ترامب صنعاً لو تقيّد بما جاء في المقال الافتتاحي الذي نشره جون كيري في عدد الخميس من صحيفة «نيويورك تايمز»، وأن يحتفظ به ضمن ملفاته. وفيه يتحدث كيري عن المحاذير المرتبطة بمحدودية الخيارات الدبلوماسية غير المترافقة مع مبدأ استخدام القوة. ولاشك في أنه كان يدافع في مقاله عن سجلّه باعتباره الدبلوماسي الأميركي الأول خلال ولاية أوباما الثانية. وكتب في مقاله: «سأغادر مكتبي وأنا مقتنع بأن التوجهات العالمية كانت تسير في مصلحتنا، وأن القيادة السياسية الأميركية هي اليوم على مستوى من الفعالية لم تبلغه من قبل».

فهل يقتنع كيري حقاً بما يقول؟ والجواب هو أن معظم التوجهات العالمية حتى الآن تنطوي على خطورة بالنسبة للمصالح الوطنية للولايات المتحدة. وخلال فترة ترؤس كيري للدبلوماسية الأميركية، كانت الدول الأوروبية تنزلق واحدة تلو الأخرى في اتجاه الشعبوية المحسوبة على أحزاب أقصى اليمين، وهي النزعة التي كانت تزداد اشتعالاً مع تفاقم أزمة اللاجئين الفارين من الحرب في سوريا. وقد أدى هذا التحول السلبي أيضاً إلى فشل الغرب في التصدي للسياسة الروسية عندما تمكن فلاديمير بوتين من ضم شبه جزيرة القرم.

وفي الشرق الأوسط، أصبح الأردن ولبنان يعانيان من أزمة لاجئين مشابهة. وباتت تركيا في خضم حملة عسكرية حقيقية ضد الأكراد، فيما يشعر حلفاء أميركا الخليجيون بالقلق المتصاعد من الاستفزازات والتدخلات الإيرانية في دول المنطقة. وفي آسيا، لم يتمكن أحد من تطبيق القرارات المتعلقة بحظر انتشار الأسلحة النووية في كوريا الشمالية، وأصبحت خلافات الصين مع بعض دول الجوار حول امتلاك بعض الجزر في بحر الصين الجنوبي أكثر اتساعاً.

ولكن، دعونا نعود الآن إلى قضية كيري. فقد زعم في مقاله أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة كانت ناجحة بسبب سياسة أوباما المبنية على «دبلوماسية الحزم باعتبارها أداة السياسة الخارجية، التي كان من الضروري إعادة إحيائها من جديد من أجل ضمان أمن ورخاء بلدنا». وينطوي هذا الطرح على كثير من التناقضات. وتحدث أيضاً عن الدبلوماسية الحازمة التي تم تطبيقها على أوروبا من أجل ضبط الالتزام بالعقوبات المفروضة على روسيا بعد ضمها لشبه جزيرة القرم. وهو يعزو أيضاً قرار العراق بتشكيل حكومة جديدة أكثر تمثيلاً لمكونات الشعب العراقي عام 2014، إلى دبلوماسيته الصارمة بعد ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي. وحتى لو كانت الحرب التي يقودها التحالف الدولي ضد «داعش» في الرقّة والموصل أحد نتاجات هذه الدبلوماسية الصارمة، إلا أنها تندرج أيضاً في إطار الأساليب القديمة.

أما فيما يتعلق بالتداعيات والمشاكل التي لم يتحدث عنها كيري، فهي أن سلف أوباما الرئيس الأسبق جورج بوش الابن لم يضع الدبلوماسية في المقام الأول، بل فضل بدلاً منها الإسراع في الذهاب إلى الحرب عندما تقتضي الأحوال ذلك. وهذا الكلام الحافل بالمغالطة، كثيراً ما كان يردده الديمقراطيون منذ أواسط العقد الماضي. وكان بوش الابن، شأنه في ذلك شأن كل الرؤساء الآخرين، قد مارس سياسة الحزم بكل تأكيد. وهو الذي بنى التحالف الغربي الذي كان يهدف لدعم أميركا في غزوها للعراق. وعمدت وزارة الخارجية في عهده إلى تشكيل ائتلاف متعدد الأطراف لاستهداف الدول التي لا تنصاع لحظر انتشار الأسلحة النووية. وهو الذي نجح في عقد اتفاقية نووية مع رئيس وزراء الهند مونماهان سينج في 2 مارس 2006.

ويمكن لكيري أن يقول إن قرار غزو العراق كان اندفاعاً أعمى نحو الحرب، وبأن بقية الخيارات الدبلوماسية الممكنة لم يتم الأخذ بها. ولكن في بعض الأحيان لا يكون من المفضل الإبقاء على الأشرار بأي حال، ولا يمكنك مثلاً أن تلجأ إلى الدبلوماسية مع تنظيم «داعش». ولعل الشيء الأهم الذي يستحق الإشارة إليه هو أن التعبير عن الرغبة في استخدام القوة يجعل الدبلوماسية أكثر تأثيراً. وأما كيري فيرى الأمر بطريقة مختلفة، وهو الذي كتب في مقالته: «أنا لست مسالماً، ولكنني تعلمت منذ الشباب عندما كنت مقاتلاً في فيتنام أنه قبل اللجوء إلى الحرب، يكون على أصحاب القرار الذين يتقلدون مناصب المسؤولية أن يفعلوا كل ما في وسعهم لبلوغ أهدافهم بالوسائل الأخرى». ولكن على رغم هذا الموقف، أشار في مقال الثلاثاء أيضاً إلى أنه حثّ أوباما على التدخل في سوريا إلا أنه لم يستمع لنصيحته. وكانت النتيجة أن أهدر آخر عام من مهمته كوزير للخارجية في عقد المؤتمرات المتعلقة بإحلال السلام في سوريا، والتي تطلبت محادثات لا نهاية لها مع الروس من دون التوصل إلى نتائج تستحق الذكر. وحتى عندما كانت روسيا تبني قواعدها العسكرية في سوريا في خريف عام 2015، كان كيري يتابع التفاوض مع نظيره الروسي سيرجي لافروف بكل حماسة ونية حسنة. وشعر ذات مرة بأنه يقترب من عقد اتفاقية مع الروس لوقف إطلاق النار في سوريا ولكن جهوده باءت بالفشل في اللحظة الأخيرة. وفي شهر سبتمبر الماضي بلغ به الإحباط في التعامل مع الروس الحد الذي دفعه إلى اتهامهم بارتكاب جرائم حرب عندما استهدفوا قافلة الإغاثة المتجهة إلى المناطق المحاصرة في حلب ودمروها. وكنا نتمنى لو أننا رأينا دبلوماسية كيري الحازمة وهي تحقق أهدافها. ولكن هذا لم يحدث.

وأما دونالد ترامب، فقد قال بوضوح إنه سيتعامل مع روسيا بطريقة نافعة جديدة على رغم أن الوكالات الاستخباراتية الأميركية زعمت تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية. فهل يعني هذا أنه يتبع نفس خطى كيري؟

* محلل أميركي متخصص بالأمن الوطني

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا