• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

ضمن عروض «الشارقة للفنون»

«طيور» هيتشكوك تتأرجح بين الطمأنينة والخطر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 05 سبتمبر 2016

إبراهيم الملا ( الشارقة)

يعد فيلم (الطيور)، أحد أهم الأفلام التي قدمها المخرج العبقري الراحل ألفريد هيتشكوك، ويأتي الفيلم ضمن تصورات فنية وأسلوبية عميقة ولافتة لهيتشكوك، تتجاوز التصنيف المجحف الذي وضعه النقاد لأعمال هذا الفنان المتفرّد، عندما حصروا معظم أفلامه في خانة (أفلام الرعب) كلافتة تجارية هشّة لا تراعي الأبعاد النفسية والفلسفية التي طبعت تلك الأفلام وجعلتها حية وحاضرة ومتاحة لشهية الجدل والتحليل إلى يومنا هذا.

تم عرض الفيلم أمس الأول في دار الندوة بساحة الخط في منطقة الشارقة القديمة، ضمن برنامج العروض السينمائية بمؤسسة الشارقة للفنون، والمشتمل على فعاليات ومعارض وأحداث مهمة خلال المرحلة المقبلة. ويعود زمن إنتاج فيلم «الطيور» إلى العام 1963، حيث كانت التقنيات والمؤثرات السمعية والبصرية بالكاد تلبّي رغبة المخرجين في تحقيق مبتغاهم المتخيل على صفحات السيناريو، مقارنة بالإمكانات التقنية المذهلة والمتطورة لدى صناع الأفلام في العقود الأخيرة.

وكان ألفريد هيتشكوك نفسه من أوائل المخرجين الذين ابتكروا أساليب جديدة في التصوير والمونتاج ونقل ردات فعل الممثلين بطريقة حية، ونابضة بالتعبير الأدائي، وبالتوازي مع قوة وتأثير المشهد ذاته، وتصاعد الحبكة التي غالباً ما تتشكل وسط فضاء واقعي، يتسلل بالتدريج نحو انعطافات حادّة، تفرضها رؤى شهوانية وعقد نفسية، وأحداث مفاجئة، غير متوقعة، لا يمكن تفسيرها ولا التنبؤ بخواتيمها ونهاياتها.

وتجلّت هذه المعالجات المبتكرة لهيتشكوك في عدة أفلام صادمة واستثنائية قدمها منذ الثلاثينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي مثل: «سايكو»، و«الرجل الذي عرف أكثر مما يلزم»، و«اختفاء السيدة»، و«النافذة الخلفية».

يبدأ فيلم «الطيور» بمشهد يبدو تلقائياً للوهلة الأولى، حيث يدخل رجل وسيم إلى محل للطيور ويطلب من مندوبة المبيعات زوجاً من «طيور الحب»، كي يهبها لشقيقته في عيد ميلادها، ولا تمر لحظات حتى تكتشف الفتاة أن الرجل لم يدخل مصادفة، بل كان يتعقبها ويعرف تفاصيل كثيرة عن حياتها الخاصة، بدورها تقوم الفتاة ميلاني ــ الممثلة تيبي هيدرين ــ بملاحقة فضولها وإعجابها بالرجل الذي اقتحم حياتها فجأة، حيث تكتشف أنه يعمل كمحام يتابع الجرائم الجنائية، ويدعى ميتش براينر ــ يقوم بدوره الممثل «إد تايلور»، وفي خطوة جريئة من الفتاة نراها تستقل سيارتها وتقوم برحلة إلى المنطقة التي يسكنها هذا المحامي الغامض، وهناك في بلدة «غوديبا» الساحلية الهادئة، تتشكل أولى ملامح العلاقة العاطفية الحذرة بينهما، وسرعان ما تصل هذه العلاقة إلى درجة من التشوش والارتباك مع هجوم طيور النورس والغربان السوداء على البلدة، وتحويل حياة سكانها إلى جحيم، وتتخلل هذه الأحداث الخارجية الشرسة والمعتمة، إضاءات سردية على عقدة «أوديب» التي روّج لها عالم النفس الشهير سيغموند فرويد، لكن هيتشكوك يتناولها في الفيلم من الجانب المعاكس، عندما ترى والدة المحامي ميتش أنه البديل الافتراضي عن زوجها الذي فقدته قبل أربع سنوات، ويربط المخرج بذكاء بين المناخ النفسي المتوتر لهذه العائلة وبين الظروف الخارجية غير المألوفة، في سياق دراماتيكي وتفاعلي، لا يفصل كثيراً بين عذابات النفس وقسوة الطبيعة، حيث تجد ميلاني نفسها وسط هذا الدوار الهائل من الألم والشكوك وغيرة الأم منها، واتهام أهالي البلدة لها بالشؤم والطالع السيئ.

ينتهي فيلم «الطيور» بمشهد يحتمل عدة تأويلات وتفسيرات موضوعية، لكنه لا يغادر المنطقة المتأرجحة بين الطمأنينة والخطر، وبين الهدوء والانفجار الوشيك، خصوصاً أن هذا المشهد الأخير يتضمن المئات من الطيور الشرسة والمتأهبة للانقضاض على عائلة ميتش وهي تهم بمغادرة البلدة، بعد أن خسرت الكثير من تماسكها العاطفي والجسدي، وسط طبيعة مفتوحة على الأمل، وعلى اللعنة في ذات الوقت !.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا