• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

عبر أداء متناغم العناصر

«80 درجة» ترصد عزلة الإنسان المعاصر واغترابه

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 15 يناير 2014

محمود عبدالله (الشارقة)- بعد عرض «80 درجة» نص رندة الخالدي، وإخراج عليّة الخالدي، والذي جاء ضمن المسابقة الرئيسية لعروض مهرجان المسرح العربي، يرد بالخاطر نص الكاتب الأميركي - «تينسي وليامز 1911- 1983» بعنوان «قصة الحيوانات الزجاجية»، حيث ترتكز في حدثها على التفاعل الحواري الذي يقوم بين الشخصيات الثلاث الرئيسة، وفق رؤى متباينة في التعامل مع الواقع المعاش، رؤية وأفكار كل شخصية في محاولة الخروج من الأزمة التي تعصف بالأسرة، كتمثيل للأسرة في الحلم الأميركي.

ربما تتماهى أحداث 80 درجة، التي عرضت على خشبة مسرح معهد الشارقة للفنون المسرحية مع ما يدور في «قصة الحيوانات الزجاجية»، فالعرض اللبناني الذي قدمته بحرفية عالية فرقة «ثمانية ونصف» اللبنانية، يقدّم لنا أيضا ثلاثة شخصيات هي: جنرال متقاعد وزوجته وأخته المتقدمة في السن يشتركون جميعا في إحساس الخيبة، من زمن هارب انمحى فيه كل شيء ولم يبق للحياة معنى ولا للحب أيضا، من الحاجة للحب في وقت أضحى البياض هو سمة العلاقة بين زوجين، من الحاجة للفرح لاستعادة إحساس ضاع في متاهات الحياة. شخوص تنشر عزلتها رغم وجودها في نفس المكان، تتقاطع انكساراتها، لكنها تعيش عزلتها الخاصة. هكذا يمكن أن نفهم هذا العرض وهو يقدم لنا شريحة هزلية غريبة الأطوار من الحياة اليومية لعائلة من ثلاث شخصيات تسكن في في شقة تعلو 80 درجة عن الشارع العام، يتحدثون عن قضايا وأزمة الإنسان المعاصر من خلال طرح قيم وصراعات عن إحساسات كبار السن والمتقاعدين حين يهملهم المجتمع، وبحثهم عن صيغة يمكن قبولها حول الحياة والموت.

إن أهم ما في رسم الشخصيات، هو صياغتها العبثية، فهي شاذة تتصرف بشكل يثير الاستغراب، أما المساحة الحالمة التي تحتلها هذه العائلة الغريبة، فهي مليئة بفوضى المكان، الذي يعكس تعاملهم مع خيبات الحياة.

لعل أهم ما يلفت الانتباه في شكل هذا العرض وتركيبته الذي قدّم في إطار «مسرح الصالون»، هو الاختيار الأمثل لطاقم الممثلين، وبخاصة المخرجة لينا أبيض التي قامت بدور (فايزة) وهي الحائزة على جائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض عربي في الدورة الخامسة للمهرجان في الدوحة عن مسرحيتها «الديكتاتور»، ومعها رندة طه، علي السمّوري، نزهة حرب؛ كما يلفت تلك الخطة الإخراجية الدقيقة والمكثفة والمقتصدة لحركة الممثلين في حيز ضيق من الخشبة، ليشعر المشاهد بمدى الضيق والاختناق الذي يلف الشخصيات ويقودها نحو فكرة الموت.

عرض «80 درجة»، هو عرض رشيق، متناغم في عناصره من نص وإخراج وموسيقى وإضاءة تقوم على جمل ودوائر تنسجم مع حالة الممثلين، وقد بدت طريقة الحوار بينهم بلغاتهم المختلفة، منسابة بطريقة تبدو وكأنهم يتحدثون لغة واحدة تفوح منها رائحة الاستلاب والاغتراب الداخلي، ويأتي هذا العرض ضمن مشروع طموح في المسرح يقوم على البحث والتجريب، والسير في نهج مسرح المشكلة، بعد أن تحوّل العالم كله إلى مشكلة تبحث عن حل.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا