• الاثنين 04 شوال 1439هـ - 18 يونيو 2018م

نداء المؤمنين

العدل.. غاية الفطرة السليمة والعقول الراجحة

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 02 يونيو 2018

أحمد محمد (القاهرة)

أمر الله سبحانه الأمة بضرورة إقامة العدل، والقسط في التحاكم والتناصر والموالاة، وشرط فيه أن يكون عدلاً خالصاً لا يشوبه شيء من المصلحة أو الهوى أو العاطفة، ورسمه منهاجاً لهذه الأمة تحقيقاً لخيريتها، فكان من كمال هذه الخيرية أن يناديها بدعوة الإيمان إلى مراعاة هذا الأمر العظيم، حيث يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ...)، «سورة النساء: الآية 135».

وقد تضمنت الآية مقصدا عظيما في الشريعة الإسلامية، وهو العدل، به قامت السماوات والأرض، وعليه تأسست أركان التوحيد الخالص لله تعالى، ويترتب عليه أن يعامل الإنسان خالقه أو ذاته أو غيره من المخلوقات بنظام يناسبهم دون اعتداء أو تطرف، بعبارة جامعة: «أعط كل ذي حق حقه».

قال الإمام الألوسي، العدل هو ميزان الخلق أو التكوين والأمر أو التشريع، وهو الحق المقصود الذي يفتقر إليه الوجود بدءا بعالم الحس والشهادة، وانتهاءً بعالم الغيب والخلود، وهو عالم الحق المنشود، وهو بذلك غاية الفطر السليمة، والعقول الراجحة الصريحة، والشرائع السماوية الصحيحة، والغاية من وجود المكلفين، وهو مقصد القاصدين الراشدين، ومطلب الطالبين المهتدين.

وقد اشتملت الآية، على معان جليلة وحكم عظيمة توضح الطرق التربوية ومنهاج التعامل والتواصل بين أفراد المسلمين أنفسهم، والتعامل مع من سواهم ممن يشتركون معهم في ساحة الإنسانية والبشرية لا سيما في حِلب التقاضي والترافع، وترسم اتجاهات ثابتة موحدة في إقامة العدل بين الناس متجردة من كل العلائق النفسية والأسرية والاجتماعية، فكان العدل المنشود قيامه يتخلص من الميول النفسي والتعاطف مع الأسرة، وإرضاء الغني لثروته أو الفقير للشفقة عليه، وإنما يلزم من هذا العدل أن يكون خالصاً لله، محتسبا لوجهه سبحانه.

ونتقصى هذه المعاني من أن استعمال كلمة القسط بدل العدل، فإنه يظهر أن القسط أخص في دلالته على العدل في الحكم، والعدل أعمّ منه في المعنى، فكان المطلوب قيامه في هذه الآية نوع العدل في الحكم والشهادة، فلا يماري فيه رغبة ورهبة لداعي العاطفة أو العصبية أو المصلحة أو هوى النفس.

ويلزم أن يكون هذا النوع من العدل في الحكم عادة مستقرة عند الإنسان، يواظب عليها، لا يفارقها في حالة دون أخرى، لذلك نبه الله عليه بلفظ (... قوّامين...)، ويدل على أن مراعاة العدالة مرة أو مرتين لا تكفي، بل يجب أن تكون على الدوام، فالأمور الدينية لا اعتبار بها ما لم تكن مستمرة دائمة، وأن هذه العدالة لا اعتبار بها، كذلك إذا لم تكن لله تعالى، ابتغاء ثوابه ومخافة عقابه.

قال ابن كثير، يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه، وليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقاً، خالية من التحريف والتبديل والكتمان، اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه، وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تراعهم فيها، فإن الحق حاكم ومقدم على الجميع، فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضكم للناس، على ترك العدل في أموركم، إلزموه على أي حال، كما قال تعالى: (... وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى...)، «سورة المائدة: الآية 8».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا