• السبت 06 ربيع الأول 1439هـ - 25 نوفمبر 2017م

من الأشخاص والأعمال والأموال

الخبيث والطيب والرديء والجيد.. لاتستوي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 14 يوليو 2017

أحمد محمد (القاهرة)

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل حرّم عليكم عبادة الأوثان، وشرب الخمر، والطعن في الأنساب، ألا إن الخمر لعن شاربها، وعاصرها، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها»، فقام إليه أعرابي، فقال يا رسول الله، إن كنت رجلا كانت هذه تجارتي، فاعتقبت من بيع الخمر مالا فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب»، فأنزل الله تعالى تصديقا لرسوله: «مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»، (المائدة الآية: 100).

قال الإمام السعدي: قل للناس محذرا عن الشر ومرغبا في الخير، لا يستوي الخبيث والطيب من كل شيء، فلا يستوي الإيمان والكفر، ولا الطاعة والمعصية، ولا أهل الجنة وأهل النار، ولا الأعمال الخبيثة والأعمال الطيبة، ولا المال الحرام بالمال الحلال، ولو أعجبك كثرة الخبيث فإنه لا ينفع صاحبه شيئا، بل يضره في دينه ودنياه، والخبيث هو الحرام.

فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون، فأمر أولي الألباب، أهل العقول الوافية، والآراء الكاملة، فإن الله تعالى يوجه إليهم الخطاب، وهم الذين يؤبه لهم، ويرجى أن يكون فيهم خير، ثم أخبر أن الفلاح متوقف على التقوى التي هي موافقة الله في أمره ونهيه، فمن اتقاه أفلح كل الفلاح، ومن ترك تقواه حصل له الخسران وفاتته الأرباح.

قال القاسمي، لا يستوي الخبيث والطيب، حكم عام في نفي المساواة عند الله سبحانه وتعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال، وجيدها، وقصد به الترغيب في صالح العمل وحلال المال، ولو أعجبك كثرة الخبيث فإن العبرة بالجودة والرداءة، دون القلة والكثرة، فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير، والخطاب عام لكل معتبر ناظر بعين الاعتبار، ولذلك قال فاتقوا الله يا أولي الألباب، في تحري الخبيث وإن كثر، وآثروا الطيب وإن قل، لعلكم تفلحون بمنازل القرب عنده تعالى المعد للطيبين.

ومن ثمرة الآية أنه ينبغي إجلال الصالح وتمييزه على الطالح، وأن الحاكم إذا تحاكم إليه الكافر والمؤمن، ميز المؤمن في المجلس.

وقال الإمام الفخر الرازي في «التفسير الكبير»، اعلم أنه تعالى لما قدم الترهيب والترغيب بقوله: «إن الله شديد العقاب وإن الله غفور رحيم»، أتبعه بالتكليف بقوله: «ما على الرسول إلا البلاغ»، يعني أنه كان مكلفا بالتبليغ فلما بلغ خرج عن العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنا عالم بما تبدون وبما تكتمون، فإن خالفتم فاعلموا أن الله شديد العقاب، وإن أطعتم فاعلموا أن الله غفور رحيم.

ثم قال تعالى: «قل لا يستوي الخبيث والطيب»، أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة، ثم أتبعه بالتكليف ثم أتبعه بالترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية، أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية، وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان، أحدهما الذي يكون جسمانيا، وهو ظاهر لكل أحد، والثاني الذي يكون روحانيا، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته، لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة، فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل بالله والإعراض عن الطاعة تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة.

بعد هذه البيانات الجلية والتعريفات القوية، اتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا