• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

إسرائيل وجهود إفشال السلام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 11 مايو 2014

جون بي. كيوجلي

أستاذ القانون بجامعة أوهايو الأميركية

كانت محاولة جيدة، فقد تمكن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، من إقناع الإسرائيليين والفلسطينيين خلال شهر يوليو الماضي بالجلوس إلى طاولة المفاوضات لتسعة أشهر كاملة، وطيلة تلك الفترة سعى كيري بكل سبل الترغيب الممكنة للتوصل إلى اتفاق سلام بين الطرفين، حيث نجح بالفعل في دفع عملية التفاوض التي بلغت نهايتها مع أبريل الماضي عندما انهارت العملية وانفض الجميع عن الطاولة. وبالطبع كانت هناك لحظات غير متوقعة عجلت بالفشل، إحداها مطالبة نتنياهو للفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. وفيما ساند كيري في البداية مطلب نتنياهو، معتبراً الأمر مجرد لغو إسرائيلي لا يحمل معنى حقيقياً، ركز المفاوضون الفلسطينيون على توضيح خطورة الفكرة لكيري، وبأن الغاية الأساسية لدى نتنياهو من وراء الإصرار على يهودية الدولة هو إجهاض إمكانية عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين هجّروا من ديارهم لدى قيام إسرائيل، بل ربما إرغام الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل بعد قيامها على المغادرة، وهو الأمر الذي دفع كيري إلى تغيير موقفه بعدما اتضحت الأمور، ليخبر إسرائيل في شهر مارس الماضي بأن الأمم المتحدة اعترفت مسبقاً بالدولة اليهودية في عام 1948، بل زاد كيري على ذلك بعدم الانزعاج كثيراً عندما أعلنت كل من «فتح» و«حماس» المصالحة وبأنهما ستشكلان حكومة مشتركة.

وعندما رد نتنياهو بأنه لن يعود مجدداً إلى طاولة المفاوضات إذا ما أشركت «حماس» في العملية السياسية الفلسطينية، علماً بأن هذه الأخيرة كانت قد فازت في انتخابات قبل بضع سنوات، لكنها مصنفة من قبل الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية، توقع الجميع وعلى رأسهم نتنياهو أن يهب كيري لتبني الموقف ذاته من المصالحة الفلسطينية وبأن ينعى السلام لأن «حماس» انضمت إلى السلطة الفلسطينية، ولكن ذلك لم يحدث، إذ لم ينظر كيري إلى الأمر وكأنه نهاية لعلمية السلام. ثم جاء التحرك الفلسطيني أواسط شهر أبريل المنصرم بالانضمام إلى المعاهدات الدولية، فصرخت إسرائيل محتجة، حيث قال نتنياهو إن الفلسطينيين وافقوا على عدم الانضمام إلى المنظمات الدولية طيلة فترة المفاوضات التي دامت تسعة أشهر، غير أن الفلسطينيين إنما ردوا فقط بذلك على رفض إسرائيل نفسها إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وهو التعهد الذي قطعته على نفسها كجزء من المفاوضات. بل إن كيري أوضح أن الفلسطينيين لم ينضموا إلى منظمات دولية، وأن هناك فرقاً بينها وبين المعاهدات. وبالنظر إلى مواقف الولايات المتحدة المنحازة تقليدياً في الصراع مع إسرائيل وضد فلسطين، فقد صدمت مواقفه وزير الخارجية نتنياهو لتصعد أسهم أميركا في العالم العربي. فقد كان متوقعاً من كيري تأييد إسرائيل في كل شيء، وهو ما لم يفعله، بل إنه ألمح عندما شارفت المفاوضات على نهايتها دون التوصل إلى اتفاق إلى أن إسرائيل تتجه نحو دولة الأبرتايد بسيطرتها على الفلسطينيين دون إشراكهم في الحياة السياسية.

بيد أن هذه المواقف على شجاعتها لم تكن كافية، فطيلة الفترة التي كان فيها كيري يقنع الأطراف بمواصلة المفاوضات وإنجاحها كانت إسرائيل تنقل المزيد من المستوطنين إلى مستوطنات الضفة الغربية التي يفترض أن تكون جزءاً من الدولة الفلسطينية، ما يعني مزيداً من إحكام السيطرة على ما تبقى من الأراضي المحتلة. وعلى مدار التسعة أشهر من المفاوضات استمرت الولايات المتحدة في إمداد إسرائيل بالأموال التي تستخدمها في بناء المستوطنات، بل منذ انطلاق عملية السلام في تسعينيات القرن الماضي دأبت أميركا على استخدام «الفيتو» ضد أي قرار في الأمم المتحدة موجه لمنع بناء المستوطنات. ومع أن الفلسطينيين أبدوا تحفظاً في البداية للدخول في المفاوضات واشترطوا تجميد المستوطنات نظير ذلك، إلا أنهم انخرطوا في الجهود التي بذلها كيري فقط ليكتشفوا في الأخير، بعد انتهاء مدة المفاوضات، أنهم باتوا في وضع أسوأ مما كانوا عليه، وبأن فرص السلام انتكست أكثر بالتفاوض مع إسرائيل بدل أن تمضي قدماً. وكما كان يعرف كيري منذ البداية لم يكن نتنياهو جدياً في التوصل إلى اتفاق سلام، فهو طالما عارض المفاوضات وكان همه الوحيد قضم الأراضي الفلسطينية والاستيلاء عليها بالتدريج، وهذا ما يجعلنا نعتقد أن جهود كيري طيلة التسعة أشهر الماضية للتوصل إلى السلام لم تكن في الحقيقة سوى تواطؤ مع إسرائيل في مساعيها الحثيثة لتعطيل السلام والقضاء عليه.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا