• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

النصّ الذي حاول ورثةُ بلزاك منع نشره

بلزاك .. وقائع موت مرعب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 أبريل 2015

آدم فتحي

صدر هذا النصّ لأوّل مرّة سنة 1907 في عملٍ يقع في منتصف الطريق بين أدب الرحلة ورواية السيرة الذاتيّة بإمضاء أوكتاف ميربو (Octave Mirbeau). وهو مؤلّف معروف من مواليد 1900 يعتبره مؤرّخو الأدب أحد مُجدّدي الكتابة الروائيّة والمسرحيّة في فرنسا. وكان للصفحات الخاصّة بالسيّدة هانسكا (Mme Hanska) زوجة بلزاك، وتحديداً، للصفحات الخاصّة بقصّة موته كما أجراها ميربو على لسان الرسّام جان غيغو (Jean Gigoux)، وقعُ الفضيحة كما هو مُنتَظر، فلجأت ابنةُ السيّدة هانسكا إلى المحاكم وتمّ سحبُ تلك الصفحات. ولم تصدر مستقلّةً إلاّ سنة 1918. ثمّ صدرت من جديد ضمن الكتاب في صيغته الكاملة سنة 1937. قرأتُ هذا النصّ في أواخر تسعينات القرن العشرين في إحدى المجلاّت الفرنسيّة (L&rsquoévènement. N747/1999)، فأثّر فيّ تأثيرًا كبيرًا، على الرغم من اطّلاعي على ما حفّ بسيرة كاتبه من دعاوى الميزوجينيّة والتزيُّد وخلْطِ التخييل بالشهادة. شكّك الكثيرون في بعض التفاصيل وقدح الكثيرون في شخصيّة الرسّام الذي أجرى ميربو القصّة على لسانه، وعزا آخرون قسوةَ النصّ إلى جرح نرجسيّ غائر أراد ميربو التنفيس عنه. إلاّ أنّي لم أهتمّ بنصيب النصّ من الحقيقة والتخييل بقدر ما اهتممتُ بأمور أخرى وردت في النصّ بشكلٍ عَرَضيّ لكنّها منحته كثافته التراجيديّة. من ذلك هوانُ شأن الكاتِب على أهل زمانه مهما بلغ من شأن. ومن ذلك إيمانُ الكاتب بعمَله حتى آخر رمقٍ في حياته. شدّني النصّ بتلك اللقطات الجانبيّة أكثر ممّا شدّني بموضوعه الأصليّ على الرغم من طاقته التراجيديّة الكوميديّة الهائلة. لقطة الكاتب الشعبيّ وهو يحتضر وحيدًا! لقطة الوزير وهو يمشي في جنازة كاتبٍ كبير لا يعرف من هو! لقطة بلزاك وهو يرغب في استدعاء إحدى الشخصيّات التي ابتدعها في «الكوميديا الإنسانيّة»، الطبيب بيانشون، ليتولّى الإشراف على علاجه وإنقاذه من الموت! بدت لي رغبةُ بلزاك تلك، سواء كانت حقيقيّة أم مُتخيَّلة، كنايةً عن الرغبة الكامنة في قرارة كلّ كاتب: أن تحيط به كائناته وشُخوصُه وهو يعبر الروبيكون، في رحلته الأخيرة. وكأنّ ما يلقاهُ من اعتراف في حياته واهتمامٍ عند مرضه أو بعد وفاته ليس سوى حركاتٍ استعراضيّة تخفي في أغلب الأحيان ضيقًا به ورغبةً في التخلُّص منه، ولا بأس في أن يتمّ ذلك مع جني بعض الأرباح من وراء الظهور إلى جانبه في هذه الصورة أو تلك، والأفضل أن يكون ذلك بالسير في جنازته للتأكُّد نهائيًّا من أنّه رحل وكفّ شغبه. هكذا يتوهّم بعضُنا أنّه يملأ الدنيا ويشغل الناس، بينما هو في الحقيقة يعيش وحيدًا ويكتُبُ وحيدًا ويموتُ وحيدًا، لا رفيق له إلاّ «مخلوقاتُه» الحبريّة. أذكر أنّي قرّرتُ ترجمة هذا النصّ منذ قرأتُه لكنّي ظللتُ أرجئ ذلك إلى اليوم، وها أنا أفعل، ربّما بسبب اقتراب ذكرى مولد بلزاك أو بسبب رحيل الكثير من أصدقائي الكُتّاب في ظلّ عمًى وصمَمٍ إعلاميّين عجيبين، أو لأنّي وجدتُ في هذا النصّ ما يدعم قول بودلير في يوميّاته: «إنّ الأُمَم لا تُنجب العُظماء إلاّ مُرغَمة». وربّما لأنّي وجدتُ فيه شبَهًا كبيرًا بوضع الكاتب العربيّ بشكلٍ عامّ، وهو مُستهدف من كلّ جانب وبكلّ الطرق، خاصّة في هذه الأيّام الصعبة، في البلاد التي يُرفَع فيها المُقَدّسُ مثل المُسدّس في وجه الكُتّاب والمُبدعين وأهل الفكر والأدب والفنّ والثقافة عمومًا. تابع/ بلزاك/ الجزء الثاني// قصة موت بلزاك هذه قصّة موت بلزاك في ذلك اليوم المرعب الموافق للثامن عشر من أغسطس سنة 1850 كما سمعتُها من جان غيغو وكما دوّنتُها في اليوم نفسِه، بعد أن عدتُ إلى بيتي، من دون تنميق أو مُغالاة ومن دون زيادةٍ أو نُقصان. روى لِي هذه القصّة ونحن في مشغَلِه بين كُلِّ تلك التُّحف الجميلة والروائع الفنيّة التي حرص على جمْعِها. قالَ لي: كان فيكتور هوغو قد خصّ يموتَ بلزاك بصفحات جميلةٍ آسرة من كتابِهِ «مُشاهَدات» لا أعرف نظيرًا لِوَقْعِها التراجيديّ، إلاّ أنّ تلك الصفحات افتقرت إلى بعض الدقّة لأنّها لم تُصَوِّر بالوُضوح الكافي حقيقةَ الإهمال الذي صاحَبَ موتَ ذلك الكاتب الكبير. ولعلّ هوغو الذي أحبّ كثيرًا بلزاك وكان شديد الإعجاب به، قد أحجَمَ عن الإفصاح أمام هوْلِ الحقيقة. والحقيقة العارية أنّ بلزاك ماتَ مُهمَلاً من الجميع ومن كلّ شيء، ميتةَ الكِلاب. ما أن نطق جان غيغو بالكلمة الأخيرة حتى انتبه إليه كلبٌ من النوع الإسبانيّ كبيرٌ أشقر كان متكوّرًا على نفسِه فيوق البِساط وبصْبَصَ رافعًا خطمَه نحو سيّده، فقال هذا الأخير منحنيًا لمداعب الجلدة الحيوانيّة الناعمة: كلاّ، كلاّ، اطمئنَّ يا صغيري، أنتَ لن تموت مثل بلزاك، ستجد من يُغمض لك عينيكَ أنت.. ثمّ استأنف حديثه: يزعم هوغو أنّه زار بلزاك ليلَتَها فاستقبلته السيّدة سورفيل، وأنّه تحادث لبضع دقائق مع السيّد سورفيل، وأنّه شاهد السيّدة بلزاك الأمّ عند سرير ابنِها المحتضر.. لكنّي أُؤكّد أنّ أحدًا من هؤلاء الثلاثة لم يقترب من فندق شارع فورتونيه في تلك الليلة. العجوز التي حسبها هوغو أُمَّ بلزاك لم تكن سوى مُمرِّضة، والله أعلَم بما كانت تمرِّضُه. كان هناك أيضًا فَرّاشٌ مُسِنٌّ كسولٌ وماكرٌ هو نفسُهُ الذي قال لهوغو «السيّدُ هالِكٌ لا محالةَ والسيّدةُ عادت إلى بيتِها». لم يكن أحدٌ منهما يقترب من غرفة المُحتضِر إلاّ لِماماً، بل لم يكن أحدٌ في الغرفة في اللحظة الحاسمة حين لَفَظَ بلزاك أنفاسَه الأخيرة، لا من العائلة، ولا من الأصدقاء. كان غوزلان بعيداً عن باريس ولم يُفكِّر أحدٌ في إخبار غوتييه أو لوران جان كما لم يتمّ إعلامُ أيّ ناشر وأيّ صحيفة. وأُقسِم لك بشَرَفي أنّه في يوم 18 أوت 1850 لم يزر بلزاك إلاّ شخصان: طبيبُه ناكار صبيحةَ ذلك اليوم وهوغو على الساعة التاسعة مساءً. آه! نسيتُ شخصًا ثالثاً: السيّدة هوغو التي حاولت مُقابَلةَ السيّدة بلزاك بعدَ الظهر دُونَ أن يستقبلها أحد. سألتُه: وأنتَ؟ -أُوه.. أنا.. هزّ كتفيه وداعَبَ شارِبَيْهِ الطويلين الكثَّين وكرّر قائلاً: أنا.. اِنتظر قليلاً.. سيحين وقتُ حِسابي بعدَ حين.. ثمّ واصَل الكلام: تعلَمُ أنّ بلزاك رجع من روسيا مريضًا جِدًّا وهالِكًا. كان قد أُصِيبَ بتصلُّبٍ في الشرايين وهو ما يُسمّى بتضخُّم القلب، نتيجةَ عمَلِه بشكلٍ جُنونيّ، ونتيجة شيءٍ آخر أيضًا أكثر جنونًا من العمَل: إفراطه في شرب القهوة. ولمّا كان فريسةً للحزن أيضًا فقد تفشّى فيه المرض بسرعة. كان يتألّم كالملعون شاكيًا من صدره وكليتيه وقلبِه. لم يعد قادرًا على التنفُّس. ما من كلمةٍ أخرى لوصف حالته غير كلمة الاختناق. كان ينتفخ مثل القِربة وكان الأطبّاء يقومون كلّ يوم بإفراغ القَيْح من جسمِه بوساطة المِبْزِلة. إلاّ أنّ البَزْلَ نفسَهُ لم يعد مُريحًا له. كانت المبزلةُ تصرّ وتُقزقز وهي تحتكُّ بجِلْدَة الساقَيْن التي أصبحت صلبةً جافّةً شديدةَ الحمرة لا يخترقها شيء، شبيهةً بشحم الخنزير المُمَلّح حسبَ الدكتور لويس. إنّه شيء يفوقُ التصوُّر. وما أن أدركه صباحُ السابع من أكتوبر حتى مُنِحَ الأسرار. أمّا الأطبّاء الذين كانوا يُشرِفون على عِلاجِه.. هُنا رفَعَ غيغو يديه ثمّ تركهما تتهالكان على فخِذَيْهِ مُردِّدًا: يُشرفون على علاجه.. يُشرفون على علاجه.. دعنا من هذا.. المهمّ أنّ أولئك الجرّاحين الثلاثة الذين كانوا يُشرفون على علاجه انصرفوا ناصحين بعدم إزعاجِه بعد ذلك مهما حدث. لم يعد ثمّتَ ما يُمكِنُ عَمَلُه. كان بلزاك يرحل. كان يموت من الأسفل. أمّا نصفُه الأعلى فما انفكّ حيًّا. تغلغلت الحياة في هذا الرجل الشيطان حتى بات من الصعب عليها أن تُغادر جسَده حتى وهو يتفسّخ. كانت الدار عبِقةً برائحة الجيفة. هل تُصدّق أنّي لم أذكر ذلك اليوم بعد كلّ هذه السنوات إلاّ أزكمت أنفي تلك الرائحة فإذا هي تحاصرني من كلّ جانب. لكنّك تعرف كلّ هذا، وعلى كلّ حال، ليس هذا ما أردتُ قولَه. لزمَ الصمتَ للحظات ثمّ قال: -اِسمَع. سأقول لك الآن ما لم أقله لأحدٍ من قبل، باستثناء رودان. حكيتُه لصديقنا رودان ذات يوم حين زُرتُه في داره الصغيرة في بوليفار إيطاليا لرؤية تصميمٍ أوّليّ لمنحوتته عن بلزاك. والآن عِدْنِي بأنّ ما سأقوله لك لن يُنشَر، على الأقلّ ما دمتُ حيًّا، أمّا بعدَ ذلك.. سيّان على كلّ حال، فافعل ما تراه.. أضاف بنبرةٍ يتجاذَبُها الحرَجُ والخجل: -رُبّما كان من الجيّد أن يُعرَفَ ما حدثَ، في يومٍ من الأيّام.. ثمّ استأنف حديثه: صبيحةَ الثامن عشر عادَ ناكار صديقَه وظلّ عنده أكثر من ساعة. كان بلزاك يختنق إلاّ أنّه استطاع بين حشرجةٍ وأُخرى أن يسأل طبيبَه: «اُصدُقني القول، في أيّ وضْعٍ أنا؟» تردّد ناكار قبل أن يُجيبه أخيرًا: «أنت رجلٌ شُجاع. سأصدُقُك القول. الوضعُ ميؤوس منه». تغيّرت سحنة بلزاك بشكلٍ طفيف وانغرست أصابعهُ في اللحاف. لم تندّ عنه غير عبارةٍ وحيدة: «آه!» ثمّ سأل بعد فترة صمتٍ طويلة: «ومتى أموت؟» أجابه الطبيب وقد اغرورقت عيناه بالدموع: «قد لا يطلع عليك صباح الغد». ثمّ لزم الاثنان الصمت. كان يُخيّل إلى الناظر أنّ بلزاك يُفكّر بعمق على الرغم من الألم الذي كان يعتصره. فجأةً حدج ناكار بنظرةٍ طويلة مصحوبة بابتسامةٍ غلبَ عليها الاستسلام وإن لم تَخلُ من شيءٍ شبيهٍ بالعتاب وقال بين شهيقٍ وزفير: «آه! أجل! أعرف. كان لابدّ لي من بيانشون. كان لابدّ لي من بيانشون. بيانشون كان في وسعه أن يُنقِذَني دون شكّ». لم يضعف كبرياء المُبدع أمام الموت. ها هو يؤكّد مرّةً أخرى قوّة إيمانِه بعمَلِه عن طريق هذه الكلمات الأخيرة التي تلفّظ بها باقتناع رائع: «كان لابدّ لي من بيانشون». انطلاقًا من تلك اللحظة خفّت النوبة وارتخى المريضُ شيئًا فشيئًا وخُيِّلَ إلى الناظر أنّه صار يتنفّس بألمٍ أقلّ. كان ناكار على بيِّنةٍ من كلّ الخلافات العائليّة التي قاساها بلزاك. ولعلّه رأى المريض أكثر هدوءً فساوره الأمل في لحظة حنانٍ وسماح فسأله: «هل توصي بشيء؟ هل ثمّت شيء تفضي به إليّ؟ هل ترغب في شيء؟» عند كلّ سؤال كان بلزاك يحرّك رأسه يمنةً ويسرة مُجيبًا: «كلاّ. لا حاجة لي بشيء. لا أرغب في شيء». قال ناكار مُلِحًّا: «ألا ترغَبُ في رؤية أحد؟» -«كلاّ لا أحد». لم يتحدّث عن زوجته مرّةً واحدةً أثناء تلك الزيارة. لكأنّها لم تعد موجودة بالنسبة إليه. لكأنّها لم تُوجَد قطُّ. كان ناكار يهمّ بالمُغادرة حين طلب منه بلزاك ورقةً وقلَمًا. خطّ بِيدٍ مُرتعشة نحو الأسطر العشرة لكنّه كان أضعفَ من أن يُواصل فانزلق القلم من بين أصابعه. قال هامسًا: «يبدو أنّي سأنام. سأنهي ذلك حين أسترجع بعض قُواي». ثمّ أخذته غفوة. ما الذي كتبه؟ لمن كتب؟ لم يجد أحدٌ تلك الورقة التي كان لها مصيرُ أوراق كثيرة مثلها لم يُعثَر لها على أثَر. كان غيغو مثل كلّ الرواة، لا يخلو من سمات الممثّل الفاشل، لذلك ظلَّ يتكلّم ناظرًا ناحيتي بطرف عينه، محاولاً مُفاجأة انطباعاتي إن لم يكن استفزازها. لم يكن متمرّسًا بالقَصّ الدراميّ. كانت قريحته البسيطة المرحة والفَظّة في حَرَج، وعلى الرغم من ذلك بدا لي صادقًا ومتأثِّرًا حقًّا، لذلك استمعتُ إليه هادئًا حريصًا على أن لا أُقاطِعه. في تلك اللحظة صمتَ واسترجع أنفاسه مارًّا بيده أكثر من مرّة على جبينه، ثمّ قال بصوتٍ أكثر خفوتًا وأقلّ جسارة: في ذلك الصباح جئتُ مبكّرًا إلى عند زوجة بلزاك. وجدتُها في لباسٍ يُشبه قميص النوم الواسع الأحمر، عارية الذراعين، وقد سرّحت شعرَها بإحكام. لم تكن نامت طيلة الليل. اعترفت لي بأنّها لم تجرؤ على دخول غرفة المريض، وأنّ ناكار عنده الآن، وأنّها لا تعرف ما الذي عليها أن تصنع، وأنّها تعسة جدًّا. قالت لي في نبرةٍ شبيهةٍ بالأـنين «إنّه قاسٍ جدًّا معي. أخاف أن أراه». كانت تبدو شديدة التهيُّج وفي الوقت نفسِه شديدةَ الإحباط. نصحتُها بالظهور ولو لعدّة دقائق عند سرير زوجها. ردّت: «لكنّه لم يعد يعيرني أيّ اهتمام. إنّه يهينني. كلاّ. كلاّ. هذا شيء لا يُحتَمل». وفجأة انفجرت بالبكاء. «لن تتركني وحيدةً مرّةً أُخرى طوال اليوم مثلما فعلتَ بالأمس. كِدتُ أُجَنّ». عاتبتُها بهدوء على إصرارها على رفض استقبال أيِّ كان، خاصّةً من المقرَّبين القُدامى إلى بلزاك. كنتُ أحاول أن أجعلها تفهم كم أنّ تصرُّفَها سيُساءُ فهمُه والحُكم عليه. «الجميع يشكّون في خلافاتكم لكنّهم لا يعرفون أنّها بهذا العمق. هذا سوء تصرُّف. أؤكّد لك ذلك. هل تتصوّرين أنّ أصدقاءه لن يذكروك بسوء؟ هذا إن لم يكونوا قد فعلوا بعد؟ وماذا عن الخدم..» قاطعتني ساخطة: «هؤلاء الناس يقرفونني. لا أحتاج إلى غيرك. لا أريد رؤية أحدٍ سواك. آه. ثمّ إنّك أنت أيضًا تقرفني. لم أعد أحبُّك». كنّا قد اقتربنا من منتصف النهار حين خرج ناكار من غرفة المريض وطلب رؤيتها. لم تنفرد به سوى دقائق. عادت بسرعةٍ إلى الغرفة ممتقعة الوجه فتهالكت على الأريكة وقالت باقتضاب: «يبدو أنّ الأمر سيُحسَم اليوم». ثمّ همست وقد مالت برأسها وقطّبت جبينها الجميل وزاغت عيناها وهي تلهو بلفائف قميصها: «لقد نام. هذا أفضل إذا كان يعني أنّه لا يتألّم». ثمّ أضافت وهي تضرب بجمع يدها على مسند الأريكة: «هذا الناكار! كم أمقُتُه! كم أمقُتُه!» كنتُ مُحرَجًا بشكلٍ فظيع. لم أستحضر غير عبارات بليدة وجُمَلٍ ساذجة جاهزة مثل تلك التي نتوجّه بها إلى أشخاصٍ لا يهمّوننا في شيء. كم ينضب خيالُنا في مثل تلك اللحظات. كم نفقد الإحساس. هل هو أمر غريب؟ قلتُ ملمّحًا إلى الحمرة الفاقعة التي كانت تلوّن قميصها وكأنّي لم أجد غير هذه الكلمات: «أنت رائعة اليوم يا عزيزتي في هذا القميص الأحمر». ردّت مندهشة: «لماذا؟ إنّه لم يمت بعد». أمرتْ بإحضار الغداء. لم تتناول هي منه شيئًا أمّا أنا، وأعترف بذلك بكلّ خجل، فقد قمتُ بالتهامه بكلّ شهيّة على الرغم من أنّه كان طعامًا رديئًا. ظلّت تمشي من الأريكة إلى النافذة ثمّ من النافذة إلى الأريكة مسوِّيةً أظافرها تارةً متنهّدةً طورًا، فيما أنا أحاول تبيُّنَ حقيقة مشاعرها. لم يكن ما بِها ألمًا ولا حُزنًا ولا حتى ندمًا، كنت واثقًا من ذلك. كان شيئًا شبيهًا بالقلق. كان أكثر ما يشغلُها كُلُّ ما عليها أن تقوم به بعد الوفاة. بدت دائمة التفكير في الأمر متسائلةً بين آهةٍ وأُخرى: «كيف أتصرّف أمام كلّ هذا؟ لا أعرف. رجلٌ بهذه الشهرة، ليس من شكٍّ في أنّه سيجرُّ وراءه الكثير من الحكايات والاحتفاليّات. أنا هنا غريبة. آه! يا لهذه الأيّام! يا لهذه الأيّام!» كانت شديدة الخوف من فيكتور هوغو. قابلَتْهُ خمسَ مرّاتٍ أو ستًّا. كان أدبه الوقور وإعجابه المفرط ببلزاك ونظرته العميقة النفّاذة إلى أسرار الروح مصدر خوفها كلِّه. ليس من شكٍّ في أنّه سيكون هناك وليس من شكٍّ في أنّه سيكلّمها. «ماذا أفعل؟ كلاّ! كلاّ! لا أستطيع!» وكانت تعود إلى تسوية أظافرها بحماسةٍ أشدّ. في الظهيرة علمنا من الممرّضة أنّ بلزاك يحتضر، وأنّه فقد الوعي منذ صحا من إغفاءته، فأضحى مفتوح العينين دون أن يرى شيئًا، يشخر شخيرًا طويلاً يهزّ صدرَه في بعض الأحيان هزًّا عنيفًا يكاد ينفجر به، إلاّ أنّه كان في أغلب الأحيان هادئًا وقد غاص رأسُه في الوسادة بلا حَراك، ولولا الصوت الخارج من حلْقِه والحشرجة الطالعة من أنفه لظنّ الجميع أنّه مات. كان اللحاف مُبَلَّلاً بعَرَقٍ مُفاجئ خثِرٍ يسيل من وجهه ومن سائر جسْمِه. قالت الممرّضة: «أصبح لسيّدي في طَرَفِ كلِّ إصبع قطرةُ عَرَقٍ كبيرة يمتصُّها اللحاف لكنّها تتجدّد باستمرار. لَكأنّه يَفْرَغُ من خلال أصابعه. إنّه أمرٌ عجيب!» لم تكن رأت شيئًا مثل هذا. أضافت: «من الأفضل لسيّدتي أن لا تدخل. حقًّا هذا أكثر ممّا يمكن أن تتحمّله امرأة. لقد سهرتُ على محتضرين كثيرين لكن مثل سيّدي.. أوه! يا إلهي! ثمّ إنّي مهما وضعت من الكلور..» سكتت بغتة قبل أن تضيف وقد تذكّرت أمرًا: «أحتاج إلى لحافين جديدين فيما بعد للغسل، فالفرّاش قال إنّه لا يجد غير ألحفةٍ قديمة». ولمّا كانت زوجة بلزاك تردّد مفجوعة: «الغسل! يا إلهي! حقًّا! الغسل!» كانت المُمرِّضة تطمئنها بابتسامة بشِعة: «أوه! لن تكون سيّدتي مضطرّةً إلى البقاء هناك. على سيّدتي أن لا تُزعج نفسَها. هذا لا شيء. أنا متعوّدة..». هكذا مرّ النهار كئيبًا ثقيلاً أبديًّا. لم تسمح لي بالخروج. لم تسمح لي بالفراغ إلى قضاء شؤوني ولا بالذهاب إلى مشغَلي حيث كان لديّ موعدٌ مهمّ. كلّما ألمحتُ إلى رغبتي في ذلك تشبّثت بي صارخة: «كلاّ! كلاّ! لا تتركني وحيدةً هنا. مشغلك؟ ابقَ معي أرجوك!» كانت تسدُّ أذنيها كلّما جاءت الممرّضة تطلب غرضًا من الأغراض ينقُصُها أو تُعلِمنا بمراحل الاحتضار. كانت تسُدُّ أذنيها رافضةً سماع أيّ شيء. بل إنّها طلبت من العجوز أن لا تعود إلاّ إذا «تمّ كلّ شيء». لم أتصوّر قطُّ أنّ في وسع امرأةٍ تُوصَفُ بالكائن المتفوّق والحيويّ واللامع، مثل مَدام بلزاك، أن تتحوّل إلى طفلٍ متخلّف وحيوان ذاهل بهذا الشكل. لقد رأيتُ النساء دائمًا أقوى من الأحداث، قادرات على إعطاء الرجال المثَلَ في الشجاعة والصبر والتحكُّم في النفس. أمّا هي فقد غدت لا شيء، لا شيء البتّة. لم تعد كائنًا عاقلاً ولا شخصًا مجنونًا ولا حتى حيوانًا. يا لهُ من أمر يُرثَى لَه! لقد غدت لا شيء. غلَبَها التعبُ وخدّرتها حرارةُ الغرفة المُغلَقة فأذعنت أخيرًا إلى التمدُّد على الشيزلونغ حيث أغفت إغفاءةً مُضطربة حتى هبوط الليل. أمّا أنا فقد فتحتُ كتاب «طبيب الريف» إذا لم تخنّي الذاكرة. كانت النسخة بالية مُمَزَّقة قذِرة لكثرة ما قُرِئت وأعيدت قراءتُها. ولكن هل يجبُ أن أقول ذلك؟ كنتُ متبلّدًا بشكلٍ تامّ، عاجزًا عن قراءة أيّ شيء أو التفكير في أيّ شيء. لم أكنّ أحسّ بشيءٍ عدا الانزعاج من كوني هناك. كنتُ منزعجًا خاصّةً وبشكلٍ وحشيّ بسبب عدم قُدرتي على التدخين. وفي تلك الغرفة في قلبِ باريس حيثُ كان يموتُ أحدُ أكبر عباقرة القرن مُهمَلاً أكثر من حيوانٍ مريضٍ في قاع حُفرة، كنتُ أُنصِتُ، دون أن أتأثّر ببشاعة المأساة، كنتُ أُنصتُ إلى ذلك الصمت الشاسع الكئيب، الذي لم يكن يتخلّلُهُ من بعيد سوى صوتٍ بشريّ وحيد، صوت نعلَيِّ المُمرّضة في رواحها وغدوّها من خلف الباب، في الرواق... توقّف غيغو عن الكلام. بدَا لي مُتعبًا خائفًا من قول المزيد. هذا العجوز الذي عرفتُهُ دائمَ التشكُّك في حياته الخاصّة دائمَ التخوُّف من الأحكام المُسبَقة إلاّ في ما يتعلّق بفنّه، والذي كاد يتّخذ من السينيزم نوعًا من الزينة الثقافيّة أو القانون الأخلاقيّ للوجود، ظلَّ أمامي يتفصّد خجلاً وحيرةً شبيهًا بالطفل الذي ضُبِطَ متلبِّسًا بخطيئة. ثمّ سرعان ما أشاح بوجهه عنّي هاربًا من عينيّ، حتى خيِّل إليّ أنّه لن يجد الجرأة على المزيد من البوح والكلام. كنتُ أرى بوضوح أنّه يبذُل جهدًا مُضنِيًا لاستئناف ما انقطع من حديثه، لذلك اعترفتُ له في سريرتي بالجميل حين قرّر أخيرًا أن يواصل: في العاشرة والنصف مساءً، بالتحديد، انهالت على الباب طرقتان عنيفتان: «سيّدتي! سيّدتي!» تبيّنتُ صوتَ المُمرّضة الحادّ الزعّاق الذي لم يلبث أن ردّد: «سيّدتي! سيّدتي!» قبل أن يُضيف: «تعالي سيّدتي! تعالي! سيّدي في الرمق الأخير!» ثمّ انهالت على الباب طرقتان أخريان أكثر عنفًا حتى خُيِّل إليّ أنّ الباب ينخلع وأنّ المُمرِّضة تقتحم الغُرفة. كنّا قد انتصبنا على السرير وقد اشرأبَّ عُنقانا وفغر فمانا وظللنا جامِدَيْنِ نتبادل النظرات دون أن ينبس أحدُنا بكلمة. أخرجتْ إحدى ساقيها بسرعة من تحت اللحاف كأنّها تهمّ بالنهوض. قلتُ شادًّا على قبضتيها: «انتظري!» ولِمَ الانتظار؟ انتظار ماذا؟ همستُ بذلك بصوتٍ يكاد لا يبين، عَفْوَ الخاطر، دونَ أن يكون كلامي مرتبطًا بفكرة مُعيّنة، دون أن يكون لديّ قصدٌ مُحدَّد من ورائه، تمامًا كما كان في وسعي أن أقول: «هيّا! أسرِعي!» بالنبرة نفسِها. إلاّ أنّ الصوتَ كان قد توقّف عن الصراخ من وراء الباب، وخلفه صدى النعلين يبتعدان في الرواق مُفرقعين على البلاط. ثمّ سمعتُ صرير بابٍ يُفتَح من بعيد، ثمّ صرير بابٍ يُغلَق، ثمّ ران الصمت. كان شَعْرُها المُرسَلُ يكسو وجهها كأنّه برقع حِداد، متهدّلاً مثل موجات سوداء على كتفيها اللذين سقطَ عنهما القميص. همستْ أخيرًا: «هذا غَباء! هذا غباء! كان عليَّ أن أجيبها. ماذا عساها تُفكّر فيّ الآن؟ حقًّا! كان تصرُّفًا أحمق». إلاّ أنّها لم تتحرّك ولم تَطْوِ ساقَها المتدلّية من على السرير، بل ظلّت تُردّد بصوتٍ يكاد لا يبين: «هذا غَباء! لماذا منعتني؟ لماذا أمسكتني؟» بينما أنا أكرّر بعناد: «بل انتظري! لا شكّ أنّها ستعود». - «كلاّ! كلاّ! إنّها تعلَم أنّك هنا. كان عليّ أن أجيبها. والآن؟» -«لا شكّ أنّها سترجع. انتظري!» وهو ما حدث حقًّا. لم تَمْضِ عَشْرُ دَقائق خُيِّل إلينا أنّها ساعات، بل قُرون، حتى عادت المُمرّضة وطرقت الباب طرقَتين كما فعلت في المرّة الأولى: «سيّدتي! سيّدتي!» ثمّ أضافت: «سيّدي راح. سيّدي مات..». هنا توقّف الرسّام العجوز عن الكلام للحظات ثمّ قال هازًّا رأسه: دَعْنِي أعترف لك بأمر يفوق التصوُّر. أمر لا يمكن تفسيره. وليس ذلك التماسًا للأعذار أو دفاعًا عن نفسي، بل... على أيّ حال... هذا ما حصل. أؤكّد لك أنّ عبارةَ «سيّدي مات» لم تُثر في نفسي لأوّل وهلة أيّ إحساسٍ مُحَدَّد، ولا أيّ شيء ذي بال. والأدهى من ذلك أنّي لم أربطها أصلاً ببلزاك. كَلاّ! كنتُ خارجًا عن طوري. خارجَ ذاتي. خارج كلّ وعيٍ وكُلِّ حقيقة. كنتُ غريقًا في لجّةٍ من العمى الأخلاقيّ، إلى درجة أنّ هذا الخبر الذي بلغ مسمعي من خلف ذاك الباب والذي ستدوي له أرجاء العالَم بأسرِهِ من الغد، لم يُوقظ في نَفسي من الأثَر غير ما يُوقظُهُ عِلْمِي بأنّ أحدًا مَا، نكرةً من النكرات، قد قضى نحبَه. لم أُحدّث نفسي بأنّ «بلزاك مات» بل تساءلتُ «من الذي مات؟» والأدهى من ذلك أنّي لم أتوجّس من شيء. لقد أمكن لي بفضل تجلٍّ خارقٍ لفقدان الذاكرة أن أنسى تمامًا أنّي كنتُ لحظةَ وفاة بلزاك تحديدًا، في بيتِه، في فراشه، مع زوجته. هل تفهم ذلك؟ ندّت عنه حركةٌ تكاد تُثير الضحك، ابتسامةٌ لا تخلو من مرارة عبّر بواسطتها عن دهشته أمام عجزه عن «فهم ذلك»، ثمّ واصل قائلاً: مع سماعها عبارة «سيّدي مات» نطّت من السرير دفعةً واحدة وأخذت تجري في الغرفة حافيةً لا تعرف ماذا تصنع ولا أين هي تحديدًا. كانت تئنّ: «يا إلهي! يا إلهي! هذا ذنبُك. هذه غلطتُك أنت». كانت تنتقل من أريكة إلى أُخرى ملتقطةً قطعةً من ملابسي أو ملابسها المنثورة في أرجاء الغرفة مُلقيةً بها إلى الأرض مرّة أُخرى مُدحرجةً أحدَ الكراسي مُصطدِمةً بإحدى الطاولات التي لم تُرفَع عنها فضلات العشاء بعد. وكانت المرايا تُضاعف صُورتها المروعة التي ما انفكّت تزداد عُريًا مع مرور الثواني. انهالت الطرقات على الباب من جديد أشدّ عنفًا وأكثر حدّة وصرخ الصوتُ أعلى زعيقًا: «سيّدتي! سيّدتي! أنتِ يا سيّدتي!» رأيتُها تَهُمُّ بالخروج في تلك الهيئة تكاد تكون عاريةً تمامًا فهتفتُ بها: «إلى أين؟ ارتدي بعضَ الملابس على الأقلّ. ثمّ اهدئي قليلاً». غادرتُ السرير وأجبرتها على ارتداء جوربيها ووضعتُ على كتفيها ما يُشبه البينوار الأبيض شديد القذارة، عثرتُ عليه في غرفة الحمّام. وكانت تهمّ بفتح الباب حين صرختُ بها: «وشعرُك؟ ما هذا؟ تمشّطي قليلاً». كانت تنتحب وتتشكّى: «آه! لماذا تبعتُه؟ لم أكن أرغب في ذلك؟ هو الذي أصرّ. أنت تعلم ذلك. وأنت؟ لماذا جئتَ اليوم؟ كلّ هذا بسببك. وتلك العجوز؟ ما الذي يدور في ذهنها بشأني الآن؟ يا إلهي! وابنتي المسكينة؟ هذا فظيع! لا أستطيع». وعلى الرغم من ذلك عقدت شعرها وعقصته وأثبتته على قفا رأسها في شكل لمّة كثيفة انفلتت منها خصلات طويلة. «كلاّ! كلاّ! لا أريد. لا أريد أن أذهب إلى هناك. لا أريد أن أراه. خُذني إلى روسيا الآن. فورًا. خُذني. ألن تأخُذَني؟» وأمام طرقات أُخرى انهالت على الباب، وأمام نداءاتٍ أخرى كادت تأخذ شكل الشتائم، لم تجد بُدًّا من أن تخفّ في اتّجاه الباب، في بينوارها المُفكَّك الأزرار وشعرها الأشعث وقدَميها الحافيتين: «نعم! حاضر! ها أنا قادمة. سأفتح فورًا». بينما عدتُ أنا إلى التمدُّد على السرير، عاري الساقين، عاري الصدر، عاقِدًا يديّ تحت رأسي، غيرَ مُفكِّرٍ في شيء، خاليًا من أيّ تأثُّرٍ بما يحدث، بعيدًا عن أيّ فزَعٍ من تلك الجِيرَة مع الموت. هكذا ظللتُ طويلاً أتأمّل أصابع قدميّ، متلهِّيًا بتحريكها دون انتظام، حركاتٍ شبيهة بتلك التي تُلاعَبُ بها الدُّمَى المتحرّكة. ران على الدار صمتٌ مشوبٌ بشيء من الثقل والخواء جعلني أشعر بأنّه غير حقيقيّ. وإضافةً إلى ذلك كان أنفي يستقبل خليطًا من روائح المنيّ وبقايا الطعام المقرفة والشراب الذي حمّضته حرارةُ الجوّ. كانت ملابسي إلى جانب التنانير النسائيّة مُعلّقة على الأثاث مرميّة على الكراسي منثورة على البساط في درجة من الفوضى والحقارة لا يُمكن وصفُها. ولولا السرير الملكيّ الرائع والنحاس اللامع المُحيط بالمرآة الكبيرة المتحرّكة، لتوهّمتُ أنّي مُلقًى في غرفة إحدى بائعات الهوى إثر سهرة ماجنة بعد لقاء صدفةٍ ليليّة. وللمزيد من إحكام الوهم كنتُ ألمح عن يساري من خلال باب الحمّام قدْرًا تغلي فوق قنديل صغير. هكذا ظللتُ طيلة خمسِ ساعات، أحاول أن أُثبِت لنفسي أنّ الدار لم يمت داخِلَها كلّ شيء، أحاول أن أتبيّن هنا أو هناك وأنا بين يقظة ونوم صوتَ الهمس أو حفيفَ الأقدام في غُدوِّها ورواحِها على طول الرواق. لم يكن الأمر مدعاةً إلى البهجة، هذا أكيد، إلاّ أنّه لم يكن كذلك شديد الوطأة. والحقيقة أنّي لم أستطع إخفاء فرحي بحريّتي في تلك اللحظات. كان إحساسي بأنّي لوحدي يكاد يتحوّل إلى متعة. حين عادت زوجةُ بلزاك وجدتني قد ارتديتُ ملابسي وقُمتُ بتهوئة الغُرفة. كانت شديدة الامتقاع خائرة القُوى تدلّ أجفانُها المُتورَمة المحمَرّة على أنّه توجّب عليها الكثير من البُكاء. قالت: «انتهى كلّ شيء. لقد مات. مات حقًّا». ثمّ تهالكت على السرير مُواريةً وجهها بيديها متنهّدة: «أمر مُرعب». وكرّرت وقد هزّتها القشعريرة: «أمر مرعبٌ حقًّا.. تلك الرائحة الكريهة المنبعثة منه». لم تمدّني بأيّ تفاصيل. ولم تردّ على أسئلتي إلاّ بالأنين. كانت أنّاتها قصيرة متقطّعة. طبعت المرارةُ تقطيبةً تكاد تبدو شرّيرة على زاوية فمها، وهكذا صار لفمها ذي الشكل الشهوانيّ الفاتن تعبيرٌ فظٌّ سافل يكاد يُثير القرف. سألتُها إن كانت قد أخبرت أفراد الأُسرة بالأمر. ردّت: «غدًا. غدًا. كيف تريدني أن أفعل في مثل هذه الساعة؟» كان صوتُها قد تغيّر وفَقَدَ تلك اللكنة المُنَغَّمة التي طالما أعجبتني فيها. صار صوتًا عدوانيًّا. خُيِّلَ إليّ أنّها كادت تتقيّأ وهي تنظر إليّ وإلى السرير وإلى فوضى الغرفة. حسبتُها ستنفجر باكيةً او غاضبة. ساعدتُها على التمدُّد على السرير: «غدًا سيكون يومًا مُتعِبًا بالنسبة إليك. زوّار كثيرون. واجباتٌ كثيرة. استريحي. حاولي أن تنامي». ردّت: «أجل. أجل. أنا خائرة القوى». كنّا قد أشرفنا على الساعة الرابعة صباحًا. لن يلبث النهار أن يطلّ بطلائعه الأولى. قلتُ لها بلطفٍ وحنان: «لا تؤاخذيني إذا تركتُك الآن. كوني متفهّمة. لابدّ من ذلك. لن يكون من اللائق أن يجدني أحدٌ عندك في مثل هذه الساعة». توقّعتُ منها شجارًا أو دموعًا لكنّها لم تحتجّ ولم تحاول استبقائي بل وافقت في نبرة جافّة: «أجل! أجل! أنت على حقّ. هذا أفضل. اِذهب الآن». ولمّا رأتني أتلكّأ في المغادرة باحثًا في الغرفة عمّا لا أدري من الأغراض، أضافت بصوتٍ أكثر حِدّة وببرودٍ فاجأني: «هيّا اِذهب. ماذا تنتظر؟» رفضت قُبلتي: «حسنًا! حسنًا! اتركني الآن، من فضلك». هل كان ذلك بسبب الإرهاق؟ هل كان ذلك بسبب التقزُّز؟ أم كان لأمرٍ آخر؟ المهمّ أنّي غادرتُ الغرفة. لم يكن في الرواق أحد. لم يكن في الدار صوت. كان ثمّتَ قنديلٌ يلفظ أنفاسَه الأخيرة فوق طاولة صغيرة، وكان نورُه المرتعش يحرّك ظلالاً كبيرة على الجدران. أمام غرفة بلزاك كدتُ أصطدم بكرسيٍّ كانت الممرّضة قد كدّست عليه لفافات الملابس والألحفة الملوّثة العبقة برائحة عُفونةٍ بشِعة. توقّفتُ وأصختُ السمع. لا شيء. صريرُ قطعة أثاث ذلك كلّ ما في الأمر. أحسستُ بغصّةٍ في حلقي وشبه اختناقٍ في صدري. فكّرتُ للحظةٍ في الدخول. لم أجرؤ. فكّرتُ أيضًا في الإتيان بعلبة الألوان لرسم تخطيط لمشهد الرجل الكبير وهو على فراش موته، إلاّ أنّ هذه الفكرة بدت لي مستحيلة ومجنونة. قلتُ في سرّي: «كلاّ! كلاّ! ليس أنا من يفعل ذلك. ستكون تلك دعابةً قذِرة». عندئذٍ نزلتُ الدرج ببطء، على أطراف الأصابع. كان المطبخ في الأسفل وكان بابُه مُفجَّجًا يتسلّل منه الضوء وتصل من خلاله أصوات خافتة. صوت الممرّضة وصوت الفرّاش العجوز. كان في وسعي الاقتراب والتنصُّت عليهما إلاّ أنّي لم أجرؤ على ذلك أيضًا. خشيتُ أن أفاجئهما بصدد الحديث عنّي، أو عنّا. كان بقيّةُ الخَدَم قد رجعوا إلى بيوتهم ولا شكّ أنّهم نائمون الآن. وهناك في الأعلى، كان بلزاك وحيدًا، وحيدًا تمامًا... ما أن صرتُ إلى الخارج حتى تنفّستُ الصعداء مُحتفلاً بالخلاص. استنشقتُ هواء الصباح بمُتعة وأشعلتُ سيجارًا. نهض غيغو فجأةً وأخذ يتمشّى في أرجاء المشغَلِ منكّسَ الرأس عاقِدًا يديه خلف ظَهرِه. استمرّ على ذلك طويلاً قبل أن يقف قُبالَتي قائلاً: «هكذا مات بلزاك. بلزاك! هل سمعتني؟ بلزاك! هكذا مات». ثمّ عاد يذرع المشغل جيئةً وذهابًا، مضيفًا بعد فترة صمت: الغريبُ في الأمر أنّي لستُ شِرّيرًا. لستُ سافلاً ولا وغدًا. يا إلهي! لستُ مختلفًا عن عامّة الناس. وعلى الرغم من ذلك فإنّي لم أفهم حقيقة ما حدث إلاّ بعد ذلك، بعد ذلك بكثير. صحيحٌ أنّي أحسستُ ليلَتَها بالحرج والانزعاج، ولا أدري، ربّما بالتقزُّز أيضًا. كنتُ واعيًا بأنّ ما حدث لم يكن شيئًا جيّدًا. أمّا هذا؟ أمّا الإحساس بالخزي؟ فأُقسِمُ لك بشرفي أنّي لم أشعر به إلاّ فيما بعد. ماذا تريد؟ نُحبُّ امرأةً ونستسلم للأمر، فتكون النتيجةُ قذِرة، دائمًا قذِرة. آه! ولكن هل أحببتُها حقًّا؟ أضاف قائلاً: أمّا السيّدة بلزاك فلم يُدركها الغد إلاّ وقد تمالكت نفسَها. أوه! تمالكت نفسَها تمامًا. لقد بدت لائقةً جدًّا. نبيلةً جدًّا. متألّمة جدًّا. أدبيّةً جدًّا. كانت رائعةً يا عزيزي. كانت أندروماك نفسَها وهي تفقد هكتور. أيّ قَوام! آه! أيّ قَوامٍ لائقٍ بأفضل منحوتات روما! ولك أن تتصوّر كم كانت مَحطّ اهتمام الجميع. والأمر المُضحك أكثر من كلّ ذلك أنّها كانت، في اعتقادي، صادقةً تمامًا في دورِها المسرحيّ. وكأنّ ما حظيت به من الاهتمام والاحترام والتشريف قد أنبت داخِلَها ما كانت تفتقر إليه من أحاسيس الألم والحبّ. لم أكن أصدّق عينيّ على الرغم من أنّي رأيتُ من العجَبِ ألوانًا. آه! يا لتلك الجنازة! ندّت عنه ابتسامة تكاد تكون مرِحة: تصوّر يا عزيزي أنّ الوزير الذي كان يمثّل الحكومة ويسير على رأس الموكب إلى جانب فيكتور هوغو، التفتَ إلى هذا الأخير وقال له: «يبدو أنّ بلزاك هذا كان شخصًا لامعًا بعضَ الشيء، أليس كذلك؟» التفتَ فيكتور هوغو إلى هذا الوزير الذي لم يغفَل عن ذكره في كتاب «العقوبات» وحدجه بنظرةٍ ملؤُها الذهول والاستنكار قائلاً: «هذا الرجل كان عبقريًّا أيّها السيّد. كان أكبر عباقرة هذا العصر». ثمّ أولاه ظهره... روى هوغو هذه الواقعة في بعض نصوصه، ولم يحد في ذلك عن الحقيقة فقد كنتُ إلى جانبه حين حدثت هذه اللقطة الصغيرة الهائلة. إلاّ أنّ ما فاته دون شكٍّ أنّ الوزير سرعان ما التفت إلى جاره الآخر، وأذكر أنّه كان ذا عذارين فاخرين، فهمس في أذنه قائلاً: «يبدو أنّ السيّد هوغو أكثر جنونًا ممّا كنّا نتصوّر..». هنا أطلق غيغو ضحكةً رنّانة من تلك الضحكات التي لم تفقد بريقها لديه حتى وهو في تلك السنّ المتقدّمة. ثمّ أضاف قائلاً: آه! ثمّتَ أمرٌ آخر يا عزيزي لا أدري إن كنتَ على عِلْمٍ به. من الغد حين ذهب صبّابُو القوالب لأخذِ قالبٍ لوجه بلزاك، كان عليهم أن يعودوا أدراجهم خائبين. لقد تفسّخ جسدُه بسرعة. جلدةُ الوجه كانت قد اهترأت بعدُ، وكان الأنف قد سال على اللحاف تمامًا...

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف