• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

كمن يبني على الرمال

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 أبريل 2015

بالنسبة لديلاكروا، كانت الثورة بمثابة الحركة القوية المقتحمة التي يصعب تفاديها. ولوحته تلك (المقصود لوحة الثورة تقود الشعب) هي الموضوع السياسي الوحيد في سياق أعماله الكثيرة التي لاعلاقة لها بالثورة. جاء بعد ذلك فنانون مثل «جيريكو» و«غويا» ليعجبوا ويتأثروا بتلك اللوحة، في وقت كان «ديلاكروا» نفسُه قد ابتعدَ عن تلك الطريق التي طرح فيها متراسه. أعتبرُ تلك اللوحة خارج تجربة «ديلاكروا»، فيخفّف ذلك وقعَ الصدمة عليّ.

ليس هذا تحفظٌاً سياسياً. فعدم إعجابي باللوحة ليس بسبب (ثوريتها)، لكن لأن أسئلة الفن أكثر جمالاً وديمومة من أجوبة الثورة. وهي ثورة استبدلت الملك «شارل العاشر» بملكٍ آخر هو «لويس فيليب». وهو الملك الذي، للمفارقة الفذّة، سيشتري تلك اللوحة بالذات، ويحجبها عن الناس. في ما بعد، «ديلاكروا» نفسه انتابته الشكوك حول جدوى الثورة، واعتبرها جهداً إنسانياًَ ضائعاً: (كمَنْ نبني على الرمال).

أجمل المسارات

يكفُّ عن اللوحة بين يديه، يضع ألوانه وأدواته في حقيبة الجلد البالية ويستدير ناحية الطريق الطويلة في حقل عبّاد الشمس، ويذهب.

طريق الرسم، على صعوبتها، هي أجمل مسارات الأرض، وأكثرها حنواً على الكائن من كل فصول السنة. رمقني بنظرة تليق بالمحاربين وهُم يفرغون من معركتهم الأخيرة، وينحنون على أسلحتهم التي لم تزل دافئة، يمسحون آثار القتال، يصقلونها استعداداً للمعركة التالية. شخصٌ يتماهى بما أعرفه، موغلاً في ما أجهله. يلبس قميصي يتكلم بصوتي ويحمل الحزن عني. أردتُ استدراكه، لكنه كان قد ذهب. ذلك الشخص الذي كنتُه، ماذا أستطيع أن أفعل لكائنٍ يسبق الكتابة ويستعصي على الرسم.

قاسم حداد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف