• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

رؤية.. ورؤيا

المثقف على طريقة كامو... والمثقف على طريقة سارتر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 سبتمبر 2016

عبد السلام بنعبد العالي

لا نستطيع أن نفسر التوتّر الذي انتهى بأن طبع علاقة جان بول سارتر برفيق دربه ألبير كامو برده إلى أسباب شخصية فحسب، فربما كان الأمر يتجاوزهما معا ويعود لعلاقة كل منهما بالفلسفة والأدب، وفهم كل منهما لوظيفة المثقف ودوره التاريخي.

كان جيل دولوز، وبالضبط في معرض حديثه عن سارتر غداة رفضه لجائزة نوبل للآداب، معترفا لصاحب «دروب الحرية» بفضله عليه، بل بأفضاله على جيل بكامله، كان قد أومأ في جملة عابرة إلى كامو الذي لم يكن قد رفض هذه الجائزة فيما قبل. لا يتوقف دولوز عند قبول كامو للجائزة، إلا أن الطريقة التي يتحدث بها عن صاحب «أعراس» توحي لنا أنه يريد أن يقنعنا بأن لا أحد كان يتوقع من كامو غير موقف القبول. فرغم أن صاحب «السقطة» «ينتسب إلى المفكرين الملعونين»، فهو كان ينتمي، في نظر دولوز، إلى تقليد فكري لا يبالي كثيرا بما يتجدد، و«كل فلسفته إنما كانت تعود بنا إلى لالاند ومييرسون، إلى مؤلفين كانوا بعدُ معروفين جيّدا لدى حاملي الباكالوريا». ينبغي أن نفهم من ذلك أن صاحب «أسطورة سيزيف» و«الإنسان المتمرد» لم يكن ليرقى فلسفيا إلى مرتبة صاحب «الوجود والعدم». فهو لم يكن لينهل، في نظر دولوز، إلا من معين مؤلفين أصبحوا تقليدا، بل تقليدا يؤثث الكتب المدرسية التي يتغذى عليها طلاب المدارس الثانوية، والتي تمثل الفلسفة وقد غدت «شأنا مدرسيا» وأصبحت تدريسا و«كتبا مدرسية» تجتر الأسئلة والأجوبة، وتخضع لبرامج وتوجيهات.

بل إن دولوز يذهب أبعد من ذلك فيتحسر على ذلك المثقف الذي ظل يعيش ازدواجية لم تُمكنه من تغيير فعلي لوضعية المثقف. يقول: «أما كامو، يا للحسرة! فكان تارة نزوعا متكبرا نحو الفضيلة، وتارة عبثا من الدرجة الثانية»، كامو صاحب رواية «الطاعون»، هو في الوقت ذاته مؤلف «الغريب». وهو الذي كان يكتب مدافعا عن الفقراء والمظلومين، إلا أنه لم يستطع أن يضحي بحنان أمه ولفحات شمس تيبازة مقابل موقف واضح وصريح إزاء قضية التحرر والعدالة، وما ذلك ربما إلا لكونه لم يكن ذلك «المثقف الذي تمكَّن من تغيير وضعية المثقف».

هذا بالضبط ما يميز سارتر وما يفصله عنه، وربما عن مجايليه جميعهم: لقد استطاع سارتر أن يكون المثقف الذي غيّر وضعية المثقف. بل إنه استطاع أن يغيّر أشياء كثيرة، إذ إن كل جديد «كان وقتها يمرّ عبر سارتر». ما كان يأتي من سارتر «هو الموضوعات الجديدة، وشيء من الأسلوب الجديد، وطريقة خصامية وشرسة جديدة في طرح المشاكل».

بل إن دولوز يذهب في سياق آخر أبعد من ذلك فيبعد سارتر عن«كل نزوع متكبر نحو الفضيلة»، وكل ارتباط بنموذج قارّ ليجعل منه «حرية خالصة»: «كان سارتر مجرى هواء...لم يكن سارتر نموذجا أو منحى فكريا أو مثالا يُحتذى، كان نسمة هواء... كان مثقفا تمكّن من تغيير وضعية المثقف... كان «مفكرا حرّا». والمفكر الحر «يحتاج إلى عالم ينطوي على حدّ أدنى من الفوضى، حتى وإن كان أملا ثوريّا، بذرة من ثورة دائمة. ثمّة، لدى سارتر، شيء مثل تعلّق خاص بالتحرير، بالآمال الخائبة لهذه اللحظة. وكان لابدّ من حرب الجزائر من أجل أن يعثر على شيء مّا من النضال السياسي أو الاضطراب المحرِّر، و«أن يكتب عن «عار«هم» في الجزائر». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف