• الاثنين 24 ذي الحجة 1437هـ - 26 سبتمبر 2016م

الديكتاتور دونه بكثير

الطاغوت.. طوفان شامل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 سبتمبر 2016

حنا عبود

من رواية أميركا اللاتينية، الواقعية السحرية، نستخلص قانوناً للطاغوت، وهو أنّه عندما يكبر الديكتاتور تطول يده لتصل إلى كل شيء، فيصبح بإمكانه حجز أي شيء عن أي شيء، وعندما يرى البشر أشياء وأدوات... يتحوّل إلى طاغوت، فليس الطاغوت حكراً على الميدان السياسي، بل قد يكون في أي ميدان، حتى في علاقة الأب بأبنائه، أو الأم بأبنائها، وقد حظي الطغيان بقسط كبير من الأدب، ولو نظرنا في الأدب الروسي، وهو من الآداب النموذجية في تصوير الطغيان الشمولي، لوجدنا التاريخ الذي طالب بكتابته إمام عبد الفتاح إمام في كتابه (الطاغية)، معروضاً في هذا الأدب، ولو عرضاً ضبابياً، بحيث تستثنى شخصية القيصر، وينصب الاهتمام على المكاتب والإدارات، وما (موت موظف) لتشيخوف سوى لمحة كاشفة أكثر من مئات الصفحات (التاريخية)، فالأدب الروسي، قبل الثورة، يتعامل مع الاستبداد، خاصة مع الاستبداد الاجتماعي بوضوح أكبر بكثير من الإشارات البسيطة التي تدل على الطغيان السياسي، لكنه بعد الثورة، يتحول إلى أدب صريح يقدم الصورة البشعة للطغيان الشمولي، ويكفي القول إن رواية «نحن» لزمياتين، كانت وراء كثير من الروايات الأوروبية والأميركية اللاتينية.

كلمة طاغوت شاملة لكل شيء تقريباً، فلا تقتصر على العسف المادي أو الاجتماعي، بل تمتد لتصل إلى الأدب والفن وحتى الأحلام، ففي روما كان هناك ديوان اسمه ديوان الأحلام، يسجل فيه الحالمون أحلامهم، ويأتي المبصرون ومفسرو الأحلام، فمن كان حلمه جميلاً نال جائزة، ويعدم من كان في حلمه شؤم أو شيء من الشؤم، وكان صاحب الحلم المشؤوم يقتل نفسه حتى يحمي وطنه.

وبهذا يكون الديكتاتور دون الطاغوت بكثير، إذا اقتصر على الإمساك بالحياة السياسية وحدها. إن الطاغوت طوفان شامل لا توجد ظاهرة لا يكون له فيها أثر: الأدب والفن والفلسفة والتربية والتعليم والتلفاز والرسم والنحت والفن والصحف والمجلات وملصقات الشوارع والقضاء والشعر والرقص والدبكة في الساحات العامة والخبز والبن والشاي... وتقنين المواد التموينية، مع أنها متوافرة عند الدولة، لينشغل الشعب بالحصول على هذه المواد، فتصبح بديلاً عن السياسة والثقافة، وعلى هذا لم يكن فرانكو طاغوتاً، أي لم يكن معتمداً أيديولوجية قمعية معينة، ولم تكن له صور معلقة على الحيطان وطريق المطار وأشجار الحدائق، مثل شاوشسكو وأمثاله... فقد كان له برنامج محدد، استلم إسبانيا، وكانت دماراً، وتركها وهي الثامنة بين الدول المتقدمة، ولم تكن له أعمال كيدية سوى أنه كلف المساجين الشيوعيين ببناء الكنائس، لقاء إطلاق سراحهم، كان فرانكو مستبداً، لا لنفسه، ولا لأسرته، على عكس من ظهر في العالم بعده مثل بول بوت وبينوشيه... وعسكر الانقلابات في الوطن العربي، وهم أصحاب أحلام مشؤومة دمرت أوطانهم، فكان فرانكو ديكتاتوراً في ميادين معيّنة. الطاغوت لون واحد، أما الديكتاتور فله الكثير من الألوان.

على أثر احتلال الكويت في العصر الحديث، عمد عبد الغفار مكاوي إلى طرح أسئلة «بعدد حبات الرمل»، عن الاستبداد والمستبدين، وهذا ما جعله يعود إلى النصوص العراقية القديمة، حتى حمورابي وقوانينه، للوقوف على «جذور الاستبداد» الذي جعله عنواناً لكتاب لا نظن أن القارئ يخرج منه بجواب مريح، على الرغم من الحماسة الدافعة، والعلم العميق الذي عرف عن الباحث المرهف، فهو نفسه يخرج حائراً من هذا التكرار للاستبداد، ألا يعرف المستبد أن نهايته محتومة؟ ألا يعرف أن التاريخ سيفنيه كما أفنى مَن سبقه؟ ألا يدرك أن الشعب سوف يلعنه ويلفظه؟ صحيح أن المؤلف يصرح بأن التاريخ لا يكرر نفسه، ولكن القارئ يخرج بانطباع أن مكاوي في قرارة نفسه يرى أن هناك تكراراً في التاريخ. وعمّم الاستبداد إلى حدّ وصل به إلى آلاف السنوات قبل الميلاد. وهكذا يقع في تضارب بين اعتقاده أن أحداث التاريخ لا يمكن أن تتكرر، وبين ظاهرة الاستبداد التي تتكرر باستمرار.

كتاب «الطاغية» لإمام عبد الفتاح إمام، الذي غاص إلى العمق الفلسفي، يقدم مناقشة عميقة وشاملة لكثير من جوانب الطواغيت، والآثار السلبية التي تتركها فترة حكمهم. فنحن هنا أمام كتاب متكامل، ويمتاز بدراسته لأنواع الطغيان والاستبداد، والتفسير الفلسفي من أيام أرسطو حتى اليوم. وقد أعرض عن ذكر الدكتاتوريين والطواغيت المعاصرين، لكنه وبكل جرأة طالب بكتابة تاريخ يتخصص بهؤلاء الذين اعتبرهم علة البشرية، والعقبة الكبيرة في وجه السلم الاجتماعي. ولا نشك في أنه الأقدر على تنفيذ هذه المهمة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف