• الأربعاء 26 ذي الحجة 1437هـ - 28 سبتمبر 2016م

كانت دائماً أقوى من جريمتي

أمي عدوتي!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 سبتمبر 2016

لينا أبوبكر

لم أكن قبل لغتي لأعيَ معنى أن أكون أماً لأمي، لولا أن صغاري الذين اعتادوا أن يدللوا ذكرياتي مارسوا انزياحاً عاطفياً أو تبادلاً حرارياً أشبه بـ «الإنتروبيا» التي جعلتني طفلة أبنائي بعد أن كنتُ أمهم..!

الأمر أشبه بلعبة كيميائية لتبادل الحواس، تماماً كما يجيدها لوركا الذي سأل أمه أن تخيطه بوسادتها، في لقطة التحام هومونيمي بين حاستين برأس واحدة: القلق والطمأنينة، فيا للوركا!

بين الفصل والوصل يُحضر الخيميائي إكسير الأمومة بحجره الشعري حين (يمضي إلى زهرة الأبد ليعود إلى قلبه) دون أن يضطر لقطع حبل المشيمة بالطبيعة: (صوت أخضر لشجرة تين مقدسة تفتح ذراعيها) ليضمها إليه، فأي أمومة هذه المبنية على الضم بشفافية لا يجود بها سوى شعراء بدلوا خواصهم البيولوجية مع أمهاتهم، ليس لاعتبارات وظيفية أو تقمصية، إنما إدراكاً للمطلق بعد التشبع بطقسها الألوهي، وممارستها لفكرة تعاصر الوجود واللاوجود في صيرورة واحدة، ثم ممارسة الخصب كنظام للخلق ضمن مدلول تكويني مُعجز تُخرج به الميت من الحي، وهو ما يلتقي مع نظرة أوشو للأنثوية: (أن تعيش مثل المرأة تنتظر وتبقى في مزاج الاستعداد للترحيب بالضيف القادم ستصبح أنت الأنثى، على الإنسان أن يصبح أنثوياً ليصل إلى المطلق)، ولذلك يذبحك محمود درويش في قصيدته «أغنية زفاف» عندما يقول على لسان الغريبة: «لا أم تعجن شعري الطويل بحنائها الأبدي.../‏‏ لتكن أنت أمي في بلد الغرباء وخذني برفق إلى من أكون غداً»، وهنا تكمن قوة الإرادة التي تخلص الشاعر من أناه الطفولية ليستسلم لأناه الأمومية، إذ تولد من قرار اللغة المكين...

انفصام المخيلة

لغة لوركا ودرويش وأوشو مرَّنتني على أن أكون أما لأمي، وقد فعلت وكلي ثقة بأن الانفراد لا يحتاج إلى سياق مجاور أو محاكاة تقليدية بقدر ما يتطلب ندية حثيثة... ومناكفة طويلة النفس ومرنة، لأنه كان علي كأنثى – كما يفترض بي أن أكون – ألا أتعامل بذات التكنيك للوصول إلى المطلق، على طريقة الشعراء الذكور، فالأمر بالنسبة لي لم يكن سهلاً لأنني أم كأمي، على العكس تماماً، هذا هو تحديداً ما كان يذبحني وأتمنى بسببه لو أنني خلقت ذكراً، كي لا أصاب بخيبة لغة عندما أفشل باختبار المقارنة بمن لم أستطع أن أكونها أو أن أشبهها رغم أنني ابنتها البيولوجية وجينها اللغوي، وهذا أول أسباب عداوتي مع أمي! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف