• الجمعة 28 ذي الحجة 1437هـ - 30 سبتمبر 2016م

اللغة تروض الوجود الطبيعي وتوجه الحواس وتؤنسنها

الإنسان.. كائن لغوي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 سبتمبر 2016

سعيد بنكراد

لم تولد اللغة من رحم النفعي في الوجود الإنساني، كما تشير إلى ذلك الكثير من بداهات التبادل الاجتماعي. فليست حاجات المعيش اليومي هي أساس وجودنا فيها، فقليل من إيماءات الجسد وحركاته كفيل بتلبية جزء كبير من هذه الحاجات. فلن يموت المرء جوعاً ولن يَعرى في بلاد يجهل كل شيء عما يقوله لسانُها، ولكنه لن يستطيع أبداً تكثيف انفعالاته الداخلية الأكثر تجريداً والكشف عنها وتبليغها اعتماداً على ما تقوله هذه الإيماءات. إن اللغة وحدها قادرة على القيام بذلك، فهي أداة لرصد حالات النفس والفصل بينها، وهي غطاء لمجمل الأهواء فيها، وهي أيضاً وأساساً ما مَكَّن «الإنسان» من تنظيم تجربته في انفصال كلي عن زمانه وفضائه، وهي ما مَكَّنه من استيطان فسيح المتخيل والمحتمل والممكن والمستهام.

إننا نوجد بشكل سابق على ولادتنا في خطاب من سبقونا. فلا شيء فينا وفي العالم يمكن أن يُستبطن ويُخزن أو يطفو إلى السطح خارج لفظ اللغة وتركيبها ودلالاتها، ولا شيء في الوجود يمكن أن يُدرك أو يُكشف عنه خارج تقطيعاتها المفهومية. إن اللغة ليست مجرد غطاء عرضي، إنها في المقام الأول نظام يُفرض على ما يمْثُل أمام الحواس سديمياً متعدداً متنافراً يسير في كل الاتجاهات.

لقد كانت اللغة دائماً شاهداً على قدرة الإنسان على خلق التراكم في الرموز وفي ما يقوم مقامها في انفصال كلي عن محيط طبيعي «صامت» لا يتكاثر إلا في نسخ مادية يشبه بعضها بعضاً. فبواسطة التجريد الرمزي أصبح العالم «دالاً» في الذاكرة من خلال اللفظ والشكل واللون والامتداد لا بالمادة وحدها. بل قد يكون الأمر أعمق من ذلك، فقد استدخل الإنسان العالم واستبطنه وفق ما تبيحه ممكناتها، ومنها استمد صوره واستيهاماته واستعاراته الدالة على القوة والصفاء والطهارة والنقاء. وهي صور مجردة في النفس، ملموسة، بحكم حالات التناظر، في الخارج وفي مجمل العوالم الممكنة.

سحر البيان

تلك حكاية الإنسان مع كل الرموز، فالأداة في اليد ليست غريبة عن اللفظ في النفس، فكلاهما يشير إلى لحظة انعتاق الكائن البشري من إسار الطبيعة ليُحلق بعيداً في عوالم هي من صنع اللغة وحدها، «غابة من الرموز» (بودلير)، مزيج من الحقائق والأوهام والاستيهامات، وكل ما يمكن أن يأتي به التمثيل الرمزي بعيداً عن إكراهات الواقع. يتعلق الأمر بـ «سحر البيان» و»غواية الكلمات» و»الخلق الشعري»، أو يتعلق، بما هو أبعد من ذلك، بأساطير أرَّخت لنشأة الكون وفصلت القول في زمنيته، ولكنها لم تكن، في حقيقتها، سوى تشخيص مفصل لاستعارات أفرزتها لغة الإنسان نفسه، دلالة على رغبته في استعادة ما خفي عنه وما نسيه وما غطى عليه الدهر. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف