• الثلاثاء 02 ذي القعدة 1438هـ - 25 يوليو 2017م

رؤية.. ورؤيا

السؤال.. تَقْوى الفكر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 يوليو 2017

عبد السلام بنعبد العالي

غالباً ما لا نبوّئ السؤالَ المكانة ذاتها، ولا نعطيه القيمة عينها اللتين نوليهما عادة للجواب. يبدو لنا السؤال جاهزاً «في المتناول»، وما علينا إلا التقاطه ما دام «مطروحاً في الساحة»، فهو لا يتطلب جهداً، ولا يقتضي بحثاً ولا إنتاجاً ولا تفكيراً ولا إعادة نظر، إذ هو بالضبط ما بعده يبدأ إعمال الفكر بالفعل، بحثاً عن الأجوبة، وتقصّياً لها، وموازنة بينها، وهذه كلها أفعال لا نعتقد عادة أن صياغة الأسئلة في حاجة إليها، ما دمنا نؤمن أن التفكير لا يبدأ إلا مع توليد الأجوبة، وليس بإنتاج السؤال.

يُنقل عن مؤسس «نظرية الأيديولوجية» قوله «إن الأيديولوجية لا تكمن في الأجوبة وحدها، وإنما تطال الأسئلة كذلك». فليست هناك فحسب أجوبة أيديولوجية تقلب الأمور وتشوّه الوقائع وتخلق الأوهام، وإنما هناك كذلك «أسئلة أيديولوجية»، وهي أسئلة موهومة لا تكون في حقيقة الأمر، إلا أجوبة وُضعت أمامها علامات استفهام مفتعلة.

هذا الاستسهال الذي نعامل به السؤال، يبدو أنه يتولّد في نظرنا عن عدم تمييز بين السؤال Question وبين مجرد الاستفسار Interrogation. لفظ «استفسار»، وهو من الفسر، أي البيان وكشف المعنى، يردّنا، أوّلاً وقبل كل شيء، إلى الفصل الدّراسي وشروحه واختباراته وامتحاناته. إنه «سؤال» المعلّم للمتعلم، «سؤال» من يعرف للتأكد من أن من يطلب معرفة قد عَرف هُو بدوره. لا يهدف الاستفسار إلى إنتاج معرفة، فهو يجيء بعد أن تَحصُل المعرفة وتُتحَصَّل المعارف فتتنَقّل من المعلمين نحو المتعلمين. إنه لا يرمي إلاّ إلى التأكُّد من ذيوع المعرفة وانتقالها السليم بين من «يمتلكها» ومن يطمحون إلى أن يتملَّكوها.

أما السؤال الذي هو«استدعاء معرفة أو ما يؤدي إلى معرفة»، فليس اختباراً لمدى تحصيل ما سبق أن عُرف، بل هو أداة العقل المتفحّص وسلاح الفكر النّاقد. إنه إعادة إنتاج لهذا الذي سبق أن عُرف وتحويلٌ له ووضعُه في أزمة. فليس إنتاج المعارف وليد بلبلة التلاميذ الذين يتسابقون للإجابة عن استفسار المعلّم، وإنما هو ما يصدر عن صمت المتأمل الذي يضع واقعَه، ويضعُه واقعُه، في أزمة تتولد عنها حيرة وتتمخض عنها أسئلة فعلية تعكس تأزّم الموقف وأزمة صاحبه. إذا كان الاستفسار أداة المعلّم، فإن السؤال هو نهج المفكّر. إنه الطريق التي يستجيب بها الفكر لما ينبغي أن يُعمَل فيه الفكر. في هذا المعنى كتب هايدغر «السؤال تقوى الفكر».

لا يصدر السؤال عمّن يملك معرفة، ما دام يفصح عن فقر وعوز. إنه سؤال: أي حاجة وطلب، فهو نقص وعدم اكتمال. الكلام المتسائل يؤكد بسؤاله أنه ليس إلا جزءاً يطلب ما يكمّله. كتب م. بلانشو: «إن السؤال يضع الإثبات الممتلئ في الفراغ فيكسبه غنى وثراء بفضل هذا الفراغ»، وما الصمت الذي يعقب السؤال عادة إلا تعبير عن هذا النقص والخصاص، وكشف عن ذاك الفراغ. «السؤال رغبة الفكر».

لا بد للأسئلة من أن تتسم بميزتين: صدقها، أي تولُّدها عن أزمة فعلية يعانيها الفكر، بحيث لا يكتفي بأن يتلقاها كما يتلقى التلميذ استفسارات المعلم، ثم نُدرتها. فالأسئلة نادرة، وتوليدها عسير. ويكاد الجهدُ الأعظم للفكر وطاقتُه الكبرى يُصرَفان أساساً في إنتاج السؤال. ذلك أن السؤال لا وجود له أي ليس «مطروحاً على الساحة»، وهو ليس من باب ما سبق أن قيل. إنه نهاية طريق، وليس منطلق الفكر.

عن طريق السؤال نفتح درباً ونفسح فراغاً يمكّننا، أو يمنّينا على الأقل، من أن نحصل على جواب. إلاّ أننا قد لا نقع إلا على سؤال آخر، ذلك أن السؤال «إذا كان يتلهّف إلى الجواب وينتظره، فإن الجواب لا يهدئ من روع السؤال»، وهذا ما يميّز أيضاً السؤال عن الاستفسار: فبإمكاننا أن نردّ على السؤال بسؤال. هناك ردود لا تعمل إلا على مواصلة السؤال. بإمكاننا أن نواصل السؤال، إلا أننا لا نملك أن نستفسر أمام الاستفسار. المتعلّم لا يردّ على معلمه مستفسراً، وحتى إن فعل فيبقى عليه أن «يملأ الفراغ» و«يسوّد البياض» و«يخرج عن صمته».

يحدّد جيل دولوز الإجماع بأنه «التواطؤ على وضع الاستفسارات موضع الأسئلة»، ذلك أن الاستفسارات لا تفرّق، إنها لا تولّد اختلافات، لأنها أصلاً تُؤْخذ مما هو سار متداوَل بين الناس، متعارَف عليه. إنها تُستقَى مما يُشاع ويقال، ومما تلوكه الألسنة وتتداوله الأقلام وتحفظه الصدور. على هذا النحو يغدو السؤال خروجاً عن الإجماع، أو هو على الأقل فتح ما يقع عليه الإجماع على ما هو مغاير. إنه توليدٌ للمفارقات. لذا فهو أساساً قطيعة وانفصال.

السؤال حركة وانفتاح، إنه انفتاح يَرضى بانفتاح أرحب، «انفتاح نحس به في مجرد البنية النحوية للاستفهام» كما كتب بلانشو. السؤال «لا يهاب الفراغ»، وحينما يُقحِم في استرسال الكلام انقطاعاً وانعكاساً، فإنه يكسّر رتابته، ويتيح له تجاوز التطوّرِ في اتجاه واحد بعينه، وبذلك فهو يحُولُ دون أن يتّخذ الكلام مسارَه في اتجاه متواصل الأطراف، فيحوّل مجرى الأمور قطائع وانفصالات، كي «تظهر كإمكانية مرهونة بدورة الزمان»، ويُبين عن شروخ الهوية المتسائلة واختلافها مع ذاتها، فيشرع أبواب الفرقة والخلاف على مصراعيها، لا بين الذات والآخر فحسب، بل حتى بين الذات ونفسها، هذا في الوقت الذي يسرع فيه الاستفسار الخطى نحو تلقّف الأجوبة الشافية، وتطابق الرأي، وملء الفراغات، وإجماع الدوكسا.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا