• الثلاثاء 02 ذي القعدة 1438هـ - 25 يوليو 2017م

السَّفَر الجاهز أَضْعَفَ أدب الرحلات

الرحّالة.. سُعاةٌ بين الدُّروب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 يوليو 2017

عبير جمعة الحوسني*

معينة سواء كانت مادية كالتجارة وكسب الرزق أو معنوية كطلب العلم والاستجمام والترويح عن النفس.. وبين التواصل الذي يؤدي دوره بحثاً عن لغة عالمية تسدّ تلك الفجوة بين الحضارات، لغة تحتفظ بهوية الفرد وخصوصيته وترفض الانصهار في الآخر.. ظهر فن مشترك بين الشعوب يصوّر فيه الإنسان الرّحال ما جرى له من أحداث، وعن طريقها يوثق كل ما يحدث له من أمور أثناء رحلته، إنه أدب الرّحلات، ذلك الأدب الذي يسطّر لنا فضول الإنسان ورغبته الجامحة نحو الاستطلاع.. أدب يصوّر فيه الكاتب ما جرى له من أحداث وما صادفه من أمور أثناء رحلته الاستكشافية التي قام بها لأحد البلدان، أدب يدرس طباع الشعوب ليتعرف على عاداتهم وتقاليدهم فيسبر أغوار الأمكنة ليتعرف على خفاياها.

يندرج فن الرحلة اليوم تحت سقف الأدب بعد أن ظهر في بداياته التأريخية على أيدي الجغرافيين والمستكشفين، الذين ركزوا اهتمامهم على تسجيل كل ما يقع أمام أعينهم أو كل ما يصل إلى آذانهم من أخبار حتى ولو كان خارج نطاق المعقول.. ولأسباب كثيرة تُعتبر الكتب التي ألّفت في الرحلات من أهم المصادر الثقافية والاجتماعية والجغرافية والتاريخية، لأن الكاتب فيها أقرب ما يكون من أرض الواقع، فالحقائق التي يعرضها والمعلومات المختلفة التي يدوّنها تكون منقولة من المشاهدة الحية والتصوير المباشر للعيان، وهذا هو السّر وراء المتعة التي نستشعرها وروح التسلية التي تلفّنا عند قراءتنا لرحلة من الرحلات، إضافة إلى التأثير الوجداني ونقل الأحاسيس والعواطف التي يجدها الرحّالة في نفسه ليصبغ بها المشاهد والآثار والصّور، مما يجعل قراءتها غنية وذات قيمة، وبناء عليها توسم الرّحلة بسمة أدبية بدلاً من أن تقف عند حدود التسجيل والتدوين والجمود.. وحتى ترقى المعرفة إلى هذا المستوى من القيمة والغنى الثقافي بين الشعوب فتزدهر وتؤتي ثمارها لا بد أن تنمو في جو من السّلام والودّ والرّغبة في التقارب والحوار لتوثيق التّاريخ..

آليات تواصل

لقد دفع الفضول بني البشر - منذ قديم الزّمان - إلى ضرورة التّعرف على الآخر (المتطابق والمختلف في ذات الوقت)، وهذا جعلهم يستحدثون مراكز تهيّئ لهم أدوات السفر وتساعدهم على تقريب وجهات النّظر بين الأفراد والشّعوب على المستوى الضّيق.. وبالتالي الحضارات والدّول على المستوى الواسع ضماناً لإرساء ثقافة إنسانيّة فعّالة لا هيمنة فيها، ورغبة منهم بولادة لغة يفهمها كل العالم.. هي لغة التّواصل بين الألسنة المختلفة، والأجناس المتنوعة، والثّقافات المتعددة والأديان، إنّها لغة التسامح والمحبة.

إنّ السّعي لابتكار أداة تواصليّة وإيجاد مراكز تسهّل وتهيّئ السّفر على بني البشر كان من منطلق رغبتهم في المثاقفة والتعرف على الآخر وفتح نافذة التّحاور الإنسانيّ معه، وهذا أثّر وبشكل كبير على أدب الرّحلات، حيث تراجع هذا اللّون من الأدب ليس فقط على مستوى الدول العربية، بل على مستوى العالم على الرغم من أنّنا نعيش حالياً عصر الرّحلات وبجدارة لكن بأدوات مختلفة..

لقد أصبح السّفر اليوم متاحاً لأغلب النّاس والرّحلات (السياحية أصبحت مُجَدْولة) جاهزة وتامة لا وجود فيها لطعم المغامرة والبحث والاستكشاف، فالمسافر بذلك مسيّر لأنّه يذهب إلى مكان أو بلد محدّد يختاره ليجد بعدها كلّ شيء جاهزاً ومخطّطاً له مسبقاً، يبدأ رحلته وكأنها رحلة دبلوماسية لا يزور ولا يرى مما يزور من بلدان سوى ما أريد له أن يرى من أماكن ليعود إلى وطنه بثقافة أضْعَفت بمحتواها أدب الرحلات، والسبب الأكبر هو حرمان المسافر من تجربة عيش الرحلة الحقيقية بكل ما فيها من (تفاصيل وعمق وإثارة واكتشاف) بعد أن فقد الرحّال خصوصيته وأصبح السفر متاحاً وبيُسر للجميع، فبعد أن كان الرّحالة هو من يمسك زمام الأمور ويتأنّى في إصدار الأحكام أصبح اليوم منقاداً بيد منسّقي ومنظمي الرّحلة ليرى كلّ شيء بأعينهم لا بعينه، هذه الثقافة لا تعكس لنا عن السفر سوى أنه أداة للتّسوق أوالترفيه أو الاستجمام، وهذا ما لا نريده، فأدب الرّحلات كالواجهة لأي بلد، أدب يمثّل الثقافة القومية ويسعى بتفاصيله المرصودة إلى وضع الحدود ومعرفة القواسم المشتركة والمختلفة بين الثقافات المتنوعة، فلا أحد ينكر أن ضعف الاتصال الثقافي بين الشعوب قد يؤدي إلى تباغضهم وزيادة النّعرات بينهم، هنا تبرز أهمية أدب الرّحلات، والذي ساهم وكان له الدّور البارز في وضع أولى لبِنات بناء العقل الجمعي العالمي بين الأمم رغم وجود الفجوات بين الدول الغنية والفقيرة إلاّ أن ذلك لم يلْغِ نظام الحوار وشفافية المثاقفة لفهم الآخر والتفاعل معه، فـ«جميل أن أفتح نافذتي كل صباح لأتنشق نسائم عليلة من أجواء بعيدة مختلفة شرط ألا تقتلعني من جذوري»، وهذا لن يتأتّى بسهولة، بل يتطلب من الفرد أن يكون على درجة عالية من القدرة على الملاحظة والتحليل. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا