• الثلاثاء 02 ذي القعدة 1438هـ - 25 يوليو 2017م

لأن روّادها لم يبتكروا القصيدة الإلكترونية!

عادل فاخوري: الحداثة الشعرية العربيّة ولدت ناقصة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 يوليو 2017

أحمد فرحات (بيروت)

في بيروت، وفي مطالع الثمانينيات من القرن الفائت، كنت أول من قدّمه شاعراً ومنظراً في مضمار«القصيدة الإلكترونية»، ومن بعد كرّت سبّحة الاهتمام الإعلامي بظاهرته الإبداعية في مختلف المنابر الصحافية اللبنانية والعربية. بدأ ذلك في أسبوعية «الكفاح العربي» اللبنانية، وفي إطار من الاهتمام بفانتازيا التجريب الشعري البصري، الذي كان يلحّ عليه عادل فاخوري، الفيلسوف والشاعر اللبناني الذي فقدناه في 13 مايو الفائت عن عمر يناهز الـ78 عاماً، قضى معظمها في التأليف الفلسفي والألسني والسيميولوجي وابتكار القصائد الإلكترونية وفق تصميمات طوبوغرافية تتداخل فيها خطوط وإشارات هندسية دالّة، فضلاً عن تجسيدات بعض الأشياء الحياتية اليومية، مثل قصائد: النارجيلة والغليون وكأس الشراب والمفتاح.. إلخ. كما استخدم حتى الرأس الآدمي «رأسه» كقصيدة بصرية تقول كلمات واحدة منها: «شعري ثورة الحروف/&rlm أذنيّ علامة استفهام/&rlm العينان فاصلتان/&rlm قيل في المثل: أنفي خطّ التعجّب/&rlm والفم/&rlm يا انتحار الجُمَل».

كل ذلك وغيره حوّل شاعرنا وفيلسوفنا عادل فاخوري إلى ظاهرة ثقافية لبنانية يعرفها الكثيرون ويألفها الكثيرون، إذ على الرغم من شغبه المفتوح وتنقله الدعائي الفانتازي بين مقاهي شارع الحمرا في بيروت، مع أصدقائه من صعاليك المدينة الآخرين، وفي طليعتهم الإعلامي المميز في مجال التحقيقات الصحافية: عبد الأمير عبدالله، كانوا أكثر من مسالمين ومتودّدين للجميع.

في أول مشواره الفني والإبداعي، كان عادل فاخوري يبدو لاهياً، عابثاً، «متهكّماً» ومتحدّياً تجارب شعراء الحداثة العرب الكبار، خصوصاً من جيلي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ومحاولاً فرض تجربته عليهم، وعلى الجميع، هكذا بقوة المشاكسة والمقارعة والتفلّسف الإبداعي الصوري المغاير. أتذكر كان يضع على الواجهة الزجاجية لأحد المقاهي الملازمة تماماً لمدخل العمارة التي يسكن فيها الشاعر أدونيس في بيروت، صوراً لقصائده الإلكترونية. ومنزل أدونيس في المناسبة، هو في منطقة اليونيسكو في بيروت، وتحديداً في الوسط من مباني كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية. ومرة جمعتنا المصادفة البحتة في ذلكم المقهى الضيّق: أدونيس، عادل فاخوري، عبد الأمير عبدالله وكاتب هذه السطور. ودار حوار جدّي، ولكن بشكل مبهج ولطيف للغاية، دام مدة ساعة تقريباً، شرح فيه عادل فاخوري لأدونيس تجربته الشعرية الكونكريتية، التي تشي بأن الفلسفة، هي فن العيش الذي يوصل أيضاً إلى ممارسة الشعر الفانتازي الهادف والمؤثر، بل الأكثر تأثيراً في الأسلوب من سائر الأساليب الكتابيّة الشعرية الأخرى. وكان أدونيس متفهّماً لكل ما كان يشرحه عادل فاخوري وقتها، ولكن على طريقته الخاصة أيضاً (أقصد أدونيس)، التي تترك للتجارب الإبداعية البصرية أّنّى كان وضعها، مبتكراً أم مستعاداً من التاريخ، أن تقدّم نفسها بنفسها عبر صاحبها، ويحكم عليها الزمن الإبداعي والنقدي لاحقاً.

وعادل فاخوري كان يقدم قصيدته الكونكريتية التي تخاطب البصر والحواس الإدراكية المجسدة، انطلاقاً من عقله الفلسفي والشعري أيضاً، مدركاً أن ليس للفلسفة حقيقة تقدمها، وكذلك ليس لها طريقة معيّنة في التفكير، ولكنها تستطيع أن تستعمل الفن، كما العقل الكامن وراء الفن في عرضها لأسئلتها وحوارها الخصوصي بحثاً عن المطلق. وأجمل ما دار في ذلكم الحوار، الذي ندمت على عدم تسجيله بين الرجلين وقتها، أنهما تحدثا عن الخطاب الشعري إجمالاً، انطلاقا من خلفيتهما الفلسفية. ولا غرو، فكلاهما درس الفلسفة واختصّ بها، وكلاهما كان ينطلق من التفلّسف الخبير، حتى وإن كان يتحدث عن خطاب آخر يريد أن يهيّئ له معرفة مغايرة باستثمار مغاير.

وكان عادل في الحوار مثل أدونيس يجتهد للإفلات من المنطق الرتيب في العلاقة بالأفكار التي يتحدّث بها، ضارباً عرض الحائط بمسألة الانضباط اللغوي والخيال اللغوي، ومركّزاً على التركيب السحري لقصيدته الكونكريتية، الذي ظلّ مصرّاً على تسميتها بـ«القصيدة الإلكترونية»، وهي في رأيي تسمية خاطئة، وقد ناقشته بأمرها مراراً وتكراراً، ولكنه كان قد ابتكر التسمية ومضى بها شوطاً، بل رسّخها في الإعلام، ومن غير الممكن له بالتالي أن يتراجع عنها، خاصة ونحن كنّا، لبنانيين وعرباً، على أبواب عصر انفجار ثورة التكنولوجيا والمعلومات الذي كان ينظّر له شاعرنا قبل أوانه.

 القصيدة البصرية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا