• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

خبز وورد

التوثيق من الداخل

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 10 مايو 2014

مريم جمعة فرج

يحدث أن تتغير الحياة، والأشياء من حولنا، لكن يظل من الإنسان شيء يستعصي على الزمان العبث به مثل ذاكرته. يحدث أن تظل الذاكرة شاهداً على تاريخ مليء بالوقائع والأحداث، وعندها تسمى «كنزا» من الموروث، الشفاهي على وجه الخصوص، حيث البشر الذين يتناقلون معارفهم ومهاراتهم ومكونات هويتهم في إطار ما يسمى اصطلاحاً كنوزاً بشرية. وحتى يمكن القول بأنها كنوز ثقافية فكرية حية، موجود بداخلها شواهد غير مادية من الموروث المجتمعي اللغوي، والأدبي والفني والموسيقي والحرفي والمعماري، والعادات والتقاليد والمأكولات الشعبية الوطنية، وما إلى ذلك مما يظل بحاجة إلى التوثيق والبحث الدقيق المتواصل.

الكنوز البشرية الحية بذاكرتها ثمينة، ومتى ما وجدت تكون بحاجة إلى صيانة وتعامل من نوع خاص يشمل حتى أسلوب حياتها. نتذكر أن من ضمن ما تمت مناقشته مؤخراً في «ملتقى التراث الخليجي» الذي نظمته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ضمن فعاليات الاحتفال بيوم التراث العالمي تحت عنوان «التراث والكنوز البشرية»، أهمية هذه الكنوز أو «الرواة» في التعريف بالتراث على المستوى الخارجي العالمي والداخلي في منطقة الخليج العربي. بعض الأوراق التي تقدم بها الباحثون تميزت بالثراء ولا يمكن تجاهل ما جاء في ورقة الباحث والخبير في مجال التراث الدكتور سعد الصويان، أو وزارة الثقافة من تركيز على دعم عملية توثيق التراث ودور الرواة في عملية حفظه ودور المؤسسات المعنية في حصر الكنوز البشرية وتوثيقها كإرث تراثي وطني، إضافة إلى أهمية تأسيس أرشيف خليجي متكامل للكنوز البشرية.

والحقيقة أنه أثناء النقاش، بدى التعريف بالتراث الوطني على المستوى العالمي سهلا، فما على الباحثين وجامعي التراث والمؤسسات الثقافية سوى تأسيس قواعد بيانات ورقية أو إلكترونية وإصدار كتب أو كتيبات وأفلام وثائقية، إضافة إلى الوثائق والدوريات والموسوعات وكذلك المتاحف والمكتبات الوطنية وترجمة المزيد من هذه الأعمال إلى اللغات العالمية. في حين بدى التعريف بالتراث على المستوى الداخلي الخليجي صعباً.

هل ننكر أن الكثير من أطفالنا وأبنائنا الشباب لا يعرفون عن تراثهم الكثير؟ وهنا المسألة لا تتعلق بالتراث الذي يشاهد في أماكن كثيرة عندنا ولله الحمد، ولا بأجدادهم السابقين، وإنما في الجد والجدة الذين يعيشون معهم في المنزل. الجد والجدة في المنزل، يصبحون في الكثير من الأحيان، متاعاً قديماً عفى عليه الزمن وربما أصبح مخيفاً بملامحه أو لباسه أو تصرفاته، وكل ما يكفي للابتعاد عنه هو جعله يعيش في عزلة بين أبنائه، فيما حقيقة الأمر هو إننا لدينا في بيوتنا كنوز ثمينة كل ما نحتاجه هو الوعي بها. الوعي بأنها الامتداد الذي ينبغي معه تصحيح نمط حياتنا الاجتماعية الراهنة.

بالانغماس في دوامة الحداثة، أصبحنا نفتقد الأجواء الأسرية التي تجمع بين الأجداد وأحفادهم، يحكون لهم الخروفة ويروون لهم القصص عن حياتهم وتجاربهم الشخصية، ويرددون ما تجود به الذاكرة من أناشيد وأمثال شعبية لا تزال طرية لم تجف ذاكرتهم. يتناقلون هذا عبر دفء المشاعر الإنسانية، يغوصون معهم في أعماق الذاكرة أو يطلون عبر نوافذ للزمن على جماليات اللغة في الشعر والغناء وغيره من أشكال الأدب الشعبي في البر والبحر. ما أحوجنا إلى هذا النوع من التوثيق من الداخل.

farajmaryam3@gmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا