• السبت 03 محرم 1439هـ - 23 سبتمبر 2017م

قطر لا تملك قرارها ولا إرادتها ولا تلبية المطالب الثلاثة عشر ولا حتى رفضها، فما هي في النهاية إلا مخلب قط لقوى أكبر.. كانت وما زالت تملي عليها إرادتها، وكانت تتخذها وسيطاً لدفع فدية لجماعات إرهابية اختطفت غربيين.

الخطر أكبر من قطر!!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 12 يوليو 2017

محمد أبوكريشة*

كل الأحداث وآخرها أزمة قطر تؤكد أمراً واحداً لا ثاني له، وهو أن ما يسمى المجتمع الدولي ليس جاداً في محاربة الإرهاب.. ويتعامل مع الإرهاب بالقطعة لا بالجملة.. وأن هذا الكيان الوهمي المسمى المجتمع الدولي ليس صفاً واحداً في قضية مواجهة الإرهاب، وأن الأسلوب العقيم المتبع دولياً هو إدارة الأزمات والمشاكل والجرائم وليس حلها.. العالم يحتاج دوماً إلى أدلة لا تأتي أبداً من أجل أن يواجه دولة أو حكومة تدعم الإرهاب وتموله.. لكنه لا يحتاج إلى أدلة تدين دولة ما تواجه الإرهاب وتحاربه.. العالم أو ما يسمى المجتمع الدولي يسارع بإدانة هذه الدولة التي تواجه الإرهاب ويرميها بتهم القمع ومصادرة حرية التعبير والتعذيب في السجون والمعتقلات والاستخدام المفرط للقوة وانتهاك حقوق الإنسان.. والدول التي تحارب الإرهاب مكبلة ومتهمة دوماً.. لكن الدول التي تدعم الإرهاب وتموله بريئة حتى تثبت إدانتها وهذه الإدانة لن تثبت أبداً.

والإرهاب نفسه يصنف كمعارضة في بلد ما.. والإرهاب نفسه يصنف كإرهاب في بلد آخر.. ولا يوجد أي منطق ولا أخلاق ولا مبادئ ولا قوانين دولية في مسألة الإرهاب.. وكل شيء مطاط وقابل للتأويل والتفسيرات المتناقضة.. والتنظيم الإرهابي المتفق عليه دولياً الآن هو «داعش».. أما الجماعات والتنظيمات الأخرى الإرهابية ففيها قولان.. وذلك لأن الولايات المتحدة وروسيا والقوى الكبرى الأخرى التي اختزل فيها وحدها مصطلح المجتمع الدولي اكتوت بنار «داعش» ووصل إلى عقر دارها فلا ترى غيره تنظيماً إرهابياً.. تماماً كما حدث مع «القاعدة» في السابق عندما كانت هي التنظيم الإرهابي الوحيد الذي يستحق المواجهة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة.

وكل التنظيمات الإرهابية ابتداء من «الإخوان» وحتى «داعش»، ليست نبتاً شيطانياً ولا هي رمية من غير رامٍ.. لكنها جميعاً مصنوعة في معامل الاستخبارات الدولية الكبرى.. وهي تشبه القنابل الفيروسية أو الأسلحة البيولوجية التي اخترعتها القوى الكبرى في معاملها ثم اكتوت بنارها فيما بعد.. أي أن السحر ينقلب على الساحر.. وهذه القوى الكبرى امتلكت القدرة على تحضير العفريت لكنها لم تمتلك القدرة على صرفه أو استئناسه.. وما زالت هذه القوى الكبرى تستخدم التنظيمات الإرهابية في تنفيذ أجنداتها السياسية والاستخبارية.

وفكرة الفوضى الخلاقة لا تعني سوى استخدام التنظيمات الإرهابية في إعادة رسم خريطة ما يسمى الشرق الأوسط الكبير.. ولا يمكن تنفيذ هذه الأجندة بمباركة الشعوب إلا من خلال رفع شعارات الدين الإسلامي.. وهي الشعارات التي انطلت على بعض الشعوب، وخلقت تعاطفاً مع الإرهاب والدمار والخراب وصناعة الفوضى.. بل إن بعض الشعوب، خصوصاً في منطقتنا العربية، لم تكتف بالتعاطف.. بل شاركت في صناعة الإرهاب وفي عملياته، وباركت تمويله ودعمه من دول كثيرة على أساس أن هذا التمويل والدعم عمل ديني شرعي، و«جهاد» في سبيل الله بالمال والنفس.

ومن خلال الشعارات الدينية الزائفة التي يراد بها باطل، باركت بعض الشعوب العربية التدخل الخارجي في شؤون الدول، خصوصاً التدخل الإيراني والتركي، بل والغربي والشرقي، على أساس أن هذا التدخل يهدف لنصرة الإسلام وتمهيد الطريق لتحرير القدس.. والنتيجة التي أرادتها الاستخبارات الكبرى هي استخدام شعارات الإسلام لنصرة إسرائيل التي أصبحت الآن واحة الأمن والأمان في المنطقة، وخفضت ميزانيتها العسكرية والدفاعية.. ولم تعد تدان أو تقوم ضدها الدنيا ولا تقعد عندما تضرب المواقع السورية أو حتى تضرب غزة أو جنوب لبنان على أساس أن جرائم إسرائيل صارت لعب أطفال إذا قيست بالجرائم التي يرتكبها الإرهابيون ضد العرب والمسلمين.

ومن فضول القول الذي يعرفه الجميع أن الولايات المتحدة منذ عهد ريجان، احتضنت «القاعدة» و«طالبان»، ودعمتهما ورعتهما على أساس فكرة استخبارية خبيثة، وهي أنه لا يمكن حشد العرب والمسلمين ضد الاتحاد السوفييتي الملحد والشيوعي إلا من خلال الحرب الدينية.. ونجحت الفكرة في تجييش العرب بالتحديد، سواء كانوا دولاً أو منظمات في هذه الحرب بين الإسلام والكفر!. ومن يومها بدأت لعبة تمويل ودعم الإرهاب سراً وعلانية، وتوسع مفهوم الكفر ليشمل الغرب المسيحي أيضاً عندما سقط الاتحاد السوفييتي وتحول الأمر إلى تجييش الإرهاب لمصلحة مصطلح الفوضى الخلاقة وتحقيق الزعامة النهائية لإسرائيل.

وزاد الأمر تفاقماً خلال إدارة أوباما عندما صارت إدارته داعمة لـ«الإخوان» حتى أوصلتهم إلى السلطة في بلدان الخريف العربي.. وبدأت مرحلة التحالف مع إيران وتركيا القوتين الضالعتين في كل نكبات المنطقة.. ولست قادراً على فهم معنى الوساطة بين دولة داعمة للإرهاب ودول أخرى تحارب هذا الإرهاب.. ولست أفهم معنى التركيز على قطر التي لا تملك قرارها ولا إرادتها ولا تلبية المطالب الثلاثة عشر ولا حتى رفضها.. فما هي في النهاية إلا مخلب قط لقوى أكبر.. كانت وما زالت تملي عليها إرادتها، وكانت تتخذها وسيطاً لدفع فدية لجماعات إرهابية اختطفت غربيين.. ولا يمكن أن يقنعني أحد بأن قطر بكيانها الصغير قادرة على كل هذا التمدد الإرهابي في المنطقة، أو أنها تفعل كل ذلك بمفردها وبملء إرادتها.. والأمر بالنسبة لقطر ليس سوى أنها تعمل لحساب قوى أكبر وأن لديها الضوء الأخضر لتمويل الإرهاب منذ عشرات السنين.. ولذلك ليس منطقياً أن يُقال إن قطر وافقت أو رفضت أو اعترفت أو أنكرت.. لكن المنطقي أن يُقال إنها مجرد مصرف لتمويل أجندات أكبر من مساحتها الجغرافية والديموجرافية وحجمها السياسي.. والمنطقي أن يُقال إن ما يسمى المجتمع الدولي منافق وهازل في مواجهة الإرهاب.. وإن هذا المجتمع الدولي ليس معنياً بإطفاء حرائق المنطقة، ولكنه معني باستمرارها وإدارتها واللعب على عنصر الزمن حتى يبرد الساخن ويسكن المتحرك، ونعتاد جميعاً ونتآلف مع الوضع السيئ، ومع الإرهاب والدمار والخراب.. والمنطقي أكثر من كل ذلك أن نعي أن المواجهة ليست مع قطر وحدها.. وأن الخطر أكبر بكثير من قطر!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا