• الخميس غرة محرم 1439هـ - 21 سبتمبر 2017م
  01:43     اكثر من مئة مفقود قبالة سواحل ليبيا بعد غرق قارب    

سياسات بوش الأحادية تسببت في تهميش حلفاء أميركا وتقوية أعدائها، ورغبة أوباما في إلغاء سياسات سلفه دفعته للتراجع أكثر مما ينبغي وللتردد أمام التحديات

كيف انتهى قرن القوة الأميركية!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 10 يوليو 2017

ديفيد روثكوف*

تخيلوا ثلاثة رؤساء أميركيين مختلفين يخلف بعضهم بعضاً في الرئاسة، وكل واحد منهم مصمم على إلغاء وإبطال ما يعتبرها سياسات خاطئة ومعيبة سنّها سلفه. غير أنه من خلال قيامهم بذلك، يفاقم الثلاثة الضرر الذي تسبب فيه الآخرون. وتخيلوا أن الثلاثة سوف يُنظر إليهم يوماً ما باعتبارهم المتعاونين الرئيسين في كتابة الفصل الأخير من قرن القوة الأميركية. هذه بالطبع هي قصة الرؤساء الأميركيين الثلاثة في القرن الـ21. لقد كانوا مختلفين كأي ثلاثة رؤساء في التاريخ الأميركي، سواء من حيث المزاج، أو من حيث التجربة المهنية، أو من حيث الأيديولوجيا، أو من حيث المستشارين الذين يحيطون أنفسهم بهم. أحدهم كان جمهورياً تقليدياً، والآخر ديمقراطيا ليبراليا. كل واحد كانت لديه فكرة مختلفة عن الدور الذي ينبغي للولايات المتحدة أن تلعبه في العالم. غير أنه في نهاية المطاف، اتخذ كل واحد منهم خطوات تسببت في تهميش حلفاء الولايات المتحدة، وتقوية أعدائها، وإضعاف المؤسسات والتحالفات التي اعتمدت عليها طيلة ثلاثة أرباع قرن، وتدبير السياسة الخارجية الأميركية بطرق أضعفت أميركا. وربما لن ينجح المرء في إقناعهم بالاتفاق على شيء، لكنهم على نحو ما عملوا في انسجام عرضي، على تقليص دور الزعامة الأميركية، الدور الذي لم تضاهيه دولة أو إمبراطورية في التاريخ.

فسياسات بوش الأحادية تسببت في تهميش حلفائنا وتقوية أعدائنا. ورغبة أوباما في إبطال وإلغاء سياسات بوش وتجنب ارتكاب الأخطاء نفسِها، دفعته للتراجع أكثر مما ينبغي وإلى التردد وعدم الحسم أمام التحديات. ثم ترامب الذي يميل إلى التقارب مع روسيا.

ومن الطبيعي والحالة هذه أن تكون لزعماء العالم ردود فعل. وفي هذا الصدد، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: «إن الزمن الذي كنا نستطيع الاعتماد فيه كلياً على آخرين قد ولى إلى حد ما». ومن جانبها، قالت وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند إن الولايات المتحدة نفسها أضحت «تشكك في قيمة مسؤولية زعامتها العالمية». وحتى قبل تنصيب ترامب رئيساً، واستناداً إلى خطاب حملته الانتخابية، قال الزعيم الصيني شي جين بينغ، إن الصين مستعدة لتزعم النظام الدولي إذا كانت الولايات المتحدة ستتراجع عن ذلك.

وفي الأثناء، هناك زعماء آخرون أخذوا يسخرون من الولايات المتحدة. وبالطبع، فإن الساخر الأكبر، والذي اشتهر أيضاً باختبار حدود بوش وأوباما، هو بوتين. لكن بوتين وجماعته لا يكتفون بالسخرية، بل يقومون بالقرصنة أيضاً، مختبرين الحدود الأميركية ومراهنين على أننا غير مستعدين لتبني موقف صارم وحازم. بل راهن بوتين على أنه يستطيع التدخل في الديمقراطية الأميركية والعبث بها، وأن تكلفة ذلك بالنسبة لروسيا ستكون منخفضة، لأنه سبق أن درس وخطّط بنجاح لغزو جورجيا والقرم دون دفع ثمن حقيقي، وكان له ما أراد.

ماريتي شاك، العضو في البرلمان الأوروبي، قالت بخصوص ظاهرة تراجع الولايات المتحدة: «إن الفراغ يمكن أن يشجّع الناس من حول العالم على استغلال لحظة غياب الولايات المتحدة. وذلك بالضبط ما تفعله روسيا والصين حالياً».

ولئن كان البعض في الولايات المتحدة وحول العالم يأمل منذ وقت طويل في رؤية تحول في الدور الأميركي، بحيث يصبح دوراً أقل هيمنة، فإننا أخذنا نكتشف بسرعة سلبيات مثل هذا التحول. وعلى سبيل المثال، فإن أميركا تقول منذ سنوات، إن على بلدان الشرق الأوسط لعب دور أكبر في تحديد مستقبل المنطقة. لكننا الآن بتنا نرى (مثلما كان ينبغي أن نتوقع) أن الكيفية التي يفعلون بها هذا قد لا تنسجم مع المصالح أو الممارسات أو الأولويات الأميركية. وكما رأينا أيضاً، فإن بعض من يتقدمون لسد الفراغ الأميركي يُعتبرون «لاعبين سيئين»، من كوريا الشمالية إلى إيران.

وإذا أضفنا إلى ذلك المؤسسات الدولية التي أُضعفت، وقوى كبرى صاعدة لديها تجربة وقوة أقل من الولايات المتحدة. وباستثناء وقوع تحول مقصود في الاتجاه من قبل الشعب والرؤساء الأميركيين، فإن ثمة أمرين مؤكدين: الأول هو أنه بفضل التعاون غير المقصود بين بوش وأوباما وترامب، فإننا مقبلون على فترة خطيرة وفوضوية في الشؤون العالمية. والثاني، هو أن الفترة التي من الأرجح أن تتلو «باكس أميريكانا»، أو قرن القوة الأميركية، هي فترة ستتميز بالحنين إلى «باكس أميريكانا».

*كاتب وأكاديمي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا