• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

قليل مَن بصره خاسئ والأغلب له بصر وبصيرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 28 أغسطس 2016

نشر الأستاذ محمد أبو كريشة في جريدة «الاتحاد» مطالعة حادة تحت عنوان «البصر خاسئ وحسير.. في غياهب الفتوى والتفسير» يوم الأربعاء 24 - 08 - 2016م حملت نقداً لاذعاً لم يستثن منه أغلبية المسلمين وهو ينازل المتطرفين، والإرهابيين. وهذا مطالب به كل ناقد وكاتب وذو بيان، لكن الإشكالية في هذا المقال هي المبالغة التي تصل إلى حد المخاتلة في تناوله قضية تزكية النفس، وقضية تحريف النصوص.

هو محق في نقده لما آلت إليه تفسيرات زعماء الإرهاب والتطرف والطائفية، ومجمل مطالعته الفكرية ترمي إلى نسف ذلك الركام التفسيري الهوائي - يقصد النسبة للهوى - لمن يتخذون مرشديهم ووليهم الفقيه وأمراء جماعاتهم الإرهابية... أرباباً من دون الله.

وإلى هنا - ومع هذا الإجمال - كلنا مع الناقد، ولكن مهلاً فأسلوبه في اتهام تزكية النفس، كان مفاجئاً لي ولغيري، إذ كيف يفوت كاتباً مرموقاً أن يحشر جمال تزكية النفس «التربية الأخلاقية» في قبح التفاخر والغرور ممن عناهم الله عز وجل بقوله «فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى»؟ أين هو من قوله تعالى في سورة الشمس: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا»؟ ضيّع قراءه بين بمفهومي التزكية الذي أورده، وما سكت عنه!!

إن الإتيان بألفاظ المسألة الواحدة في القرآن الكريم وضمن أساليبها وسياقاتها شرط أكيد لتقديم فكر متوازن وتفسير دقيق، وإلا سيقع الكاتب فيما وقع فيه من انتقدهم من أولئك الذين يقرؤون الآية: «لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ...»، و«قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ...» يقفون عند «أكله» أي المتاع.

ليس من التثقيف النافع هذا التعميم الصادم من السطر الأول فيما قال: تزكية النفس لدى المسلمين هي التي تقف وراء شيوع الإرهاب منذ الفتنة الكبرى...

بالتأكيد لا يجهل الكاتب أن مصطلح «تزكية النفس» إذا أطلق يفهمه عامة القراء بأنه التهذيب والتقوى وجميع مفردات الفضيلة ومكارم الأخلاق، بل كل ما اندفع علماء الأخلاق إلى نشره كالإمام الغزالي الذي ضمّنه مؤلفه الشهير: إحياء علوم الدين، وهو ما سماه الشاعر محمد إقبال علم النفس عند المسلمين... وكان عليه أن لا يصدم قراءه الصدمة الفكرية من وراء وراء، وشتان بين مصطلح التزكية، وتلك الدلالة المتورمة الأنف لدى أولئك الذين نقدهم الذكر الحكيم في «فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ...» أيها المغرورون ممن تولّوا عن ذكر الله، وكنتم تسمون الملائكة تسمية الأنثى، وممن أعطى قليلاً وأكدى... ومن هو على شاكلتكم من أهل الفتن وتضخيم الذات. لأي ناقد أن يصفع التطرف والمتطرفين بما قدر عليه، بل أن يركل كل تلك الفرق الضالة، ويوجعها رمياً وإدماءً ولكن لطفاً، لا يكن كمن يرمي براميله المدمرة العمياء على رؤوسنا نحن الشعوب المؤمنة من مدنيين وادعين وأجيال هي بريئة من التطرف والعنف والشذوذ الفكري والإرهاب، ألا ترون عامة المسلمين معتدلين وطيبين يسعون إلى الصلاة فتسعهم بيوت الله، وتراك تصلي وأنت الشافعي بجوار زميلك المالكي، وجارك الحنفي أو الحنبلي، ولن تجد - كما لم أجد - أي غضاضة أو تعصب في ذلك، بل كلنا يحترم المذاهب المعتبرة، ويتعبّد الله تعالى بما أصّلت وفرّعت وأفتت وبيّنت من ثروة فقهية وفكرية معتبرة حتى كنا نحفظ من صغرنا: ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا