• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

الطائرات من دون طيار.. سجال «الدقة»!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 27 أبريل 2015

لا يوجد نظام للأسلحة في العالم سواء كان نبالاً وسهاماً، أو صواريخ باليستية عابرة للقارات لا يقتل أحياناً بالخطأ الأشخاص غير المعنيين، فلماذا إذن كل هذا الجدل الذي أثاره الإعلان عن تسبب طائرة أميركية من دون طيار في قتل رهينتين غربيتين، أحدهما أميركي والآخر إيطالي، كانا محتجزين لدى تنظيم «القاعدة»؟ وما الذي دفع البعض إلى «إعادة التفكير» في مجمل استراتيجية الاعتماد على الطائرات من دون طيار؟ الحقيقة أن جزءاً من الجواب يكمن في رغبة الأوساط الليبرالية المناوئة لاستخدام تلك الطائرات والمشككة بشرعيتها في إعادة طرح المسألة على طاولة النقاش، لكن السبب العميق وراء هذا الجدل المستجد بشأن الطائرات من دون طيار هو أسطورة ووهم الدقة.

فمنذ البداية كانت مسألة الدقة في قلب النقاش السياسي والتقني الذي اعتمد عليه أوباما لتبرير ضربات الطائرات من دون طيار، وهو نفس الوهم الذي ركن إليه منتقدو القصف الجوي لإبداء معارضتهم لها لجهتي القانون الدولي والدستور الأميركي، ولنبدأ أولا بجاذبية الطائرات من دون طيار، فقد كانت الأوساط الاستخباراتية أول من انبهر بقدرة تلك الطائرات على التحليق المتواصل وجمع المعلومات من دون تعريض حياة الطيار للخطر.

وباعتبارها أدوات ووسائل لجمع المعلومات الاستخباراتية لا يمكن الجدال في فعالية الطائرات من دون طيار وقدراتها العالية في هذا المجال، فرغم وجود الأقمار الصناعية التي يمكنها أيضاً جمع المعلومات الاستخباراتية، إلا أنه ليس بنفس دقة الطائرات، فالأقمار الصناعية لا تستطيع التركيز بعدساتها المصورة سوى على هدف بعينه دون القدرة على تغيير حركتها، وأي مسعى في هذا الاتجاه يتطلب جهداً كبيراً، فيما الطائرة من دون طيار تتميز بالرشاقة والقدرة على التقاط صور دقيقة للأهداف، ما يعني أن الميزة العسكرية للطائرات من دون طيار على نظيرتها التقليدية لا تكمن في دقة الضربات والصواريخ الموجهة التي تطلقها بقدر ما تكمن في عدم تعريض حياة الطيار للخطر، لكن مع ذلك ذاعت الفكرة التي ترى في الطائرات من دون طيار قدرا على إصابة الهدف بدقة عالية، الأمر الذي زاد من جاذبيتها لدى الإدارة الأميركية، ولا شك أن إدارة أوباما استفادت كثيراً من هالة الدقة التي أحاطت بالطائرات من دون طيار، فإذا كان جورج بوش قد اشتهر بضرباته العنيفة فيما يعرف باسم «الصدمة والرعب»، كان أوباما أكثر اعتماداً على التكنولوجيا واستخدامها لضرب الأشرار فقط.

يضاف إلى هذه الميزة السياسية ميزة أخرى قانونية، إذ يمكن للطائرات استهداف الأميركيين الذين يقاتلون إلى جانب العدو دون الدخول في النقاشات القانونية التي تستدعيها قوات محاربة على الأرض، وذلك حتى مع وجود رأي قانوني يقول بأن الأميركيين الذين يقاتلون في صفوف العدو مشمولون بالحماية الدستورية. والمشكلة القانونية لا تقف عند حدود الدستور الأميركي، بل تتجاوزها إلى القانون الدولي، حيث يتم التعامل مع قصف الطائرات من دون طيار على أنه إعدام خارج القانون، بحسب ما قاله «فيليب ألستون»، المقرر الخاص الذي عينته الأمم المتحدة، وإن كان هذا المعيار القانوني يجب ألا ينحصر في الطائرات من دون طيار وأن ينسحب على أوجه القصف الأخرى بالطائرات التقليدية التي تخلف ضحايا في صفوف المدنيين، لتبقى في النهاية الطائرات من دون طيار مجرد سلاح آخر وأن ما يروج حول دقتها العالية لا يعدو وهماً لا يستقيم مع الواقع، فقتل المدنيين جراء استخدام الأسلحة سيظل على الدوام من التداعيات الراسخة لأي حرب، فيما يجب الانصراف أكثر إلى أسئلة أخرى مرتبطة بالسياسة والقانون مثل ما إذا كان القصف في حالة معينة مبرراً، وأيضاً إذا ما كان الهدف عسكرياً، أم غير ذلك؟

نوح فيلدمان*

*محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا