• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

«الناتو».. وتحديات «المتوسط»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 27 أبريل 2015

جعلت الحرب الباردة الهوية الأطلسية لأوروبا أسمى في تعاملات القارة العجوز مع العالم، خصوصاً حليفتها الولايات المتحدة الأميركية. وطورت دول أوروبا الوسطى والمتوسطية عادات التعاون والتشاور في «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، الذي عزز تدفق الالتزامات الأمنية والتجارة والأفكار في أنحاء شمال الأطلسي. ولكن الاضطرابات التي تهدد الشواطئ جنوب وشرق البحر المتوسط في الوقت الراهن تهدد بتغيير النظرة الاستراتيجية الأوروبية بشأن الأمور الأمنية. وعلى الولايات المتحدة أن تعير انتباهاً حذراً للفجوات المتزايدة في الأساليب التي تحدد بها واشنطن وشركائها الأوروبيين المخاطر الكبرى على رفاهيتها المشتركة. وأخبرني صديق إيطالي مطلع بشكل كبير على شؤون «الناتو»، ويشعر في الوقت الراهن بقلق عميق من موجات المهاجرين الفارين من الحروب والفقر وتفكك الحكم على طول ساحل المتوسط، «بالنسبة لنا، يأتي التهديد الأكبر من الجنوب، وكوابيسنا ليست عن الدبابات الروسية، التي تغزو من الشرق، وإنما عن الإرهابيين، الذين يبعدون عنا مسافة رحلة قصيرة بقارب من ليبيا».

وقال لي برلماني فرنسي محافظ، كان ذات مرة يتشدق بآرائه المتشددة عن الحرب الباردة: «لا أحد في فرنسا يناقش تسليح أوكرانيا، وإنما نناقش قدر الرقابة الوطنية التي نحتاجها لرصد الإرهابيين العائدين من مناطق الحرب في سوريا والعراق، وكيف يمكن وقف تفجر الأوضاع بشكل كامل في أفريقيا».

وكثير من الأميركيين، يميلون إلى ترك الأوروبيين، يتعاملون مع أزمة منطقة البحر المتوسط بمفردهم. ولكن الحاجة إلى تأكيد جديد على تضامن التحالف وتقاسم الأعباء يبرزه في الوقت الراهن عدوان فلاديمير بوتين في شرق أوكرانيا، والرد الفاتر من حلف «الناتو» عليه. والحقيقة أن حلف «الناتو» منقسم في الوقت الراهن إلى ثلاثة أحزاب بشأن أوكرانيا.

وعلى الطرف الآخر من الطيف، بولندا ودول البلطيق التي تشعر بأنها يمكن أن تكون التالية على قائمة بوتين. ومن ثم، تتخذ مساراً أطلسيا قاسياً وتسعى لردع بوتين عن طريق مضاعفة الروابط التي من شأنها استدعاء قوات «الناتو» للمساعدة في حالة وقوع هجمات روسية على حدودها. وتقف إدارة أوباما في المنتصف بشأن أوكرانيا وتنتهج سياسة رد الفعل، تاركة زمام القيادة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في التعامل مع بوتين، بينما تحاول طمأنة بولندا ودول البلطيق عن طريق مناوبة الطائرات والقوات الأميركية على أراضيها في عملية أطلق عليها اسم «العزم الأطلسي». ويتميز ذلك الأسلوب بإبقاء التوترات الأميركية الروسية عند مستوى يمكن السيطرة عليه، ولكنه لم يحول دون زيادة بوتين للقوات الروسية في أوكرانيا، ولم تشجعه على كبح جماح قادة جيشه الذين يهددون الغرب بالدمار النووي وقتما يروق لهم. وسيكون مفاجئاً لو لم يرَ الرئيس الروسي فرصة هنا في توسيع الهوة بين الولايات المتحدة وأوروبا، ولو لم يحافظ على هذه الفرصة قدر إمكانه. وهذا في حد ذاته سبب قوي كي يظهر الأميركيون تضامناً مع حلفائهم الأوروبيين، الذين يواجهون إعادة تعريف مضنية للتحديات الأمنية على مجتمعاتهم. وهذه الحقيقة تنطبق بشكل خاص على إيطاليا، التي تركت وحدها كي تتواءم مع موجات اللاجئين والمهاجرين خلال الأعوام الأربعة الماضية.

وعلى الأرجح ستستقبل إيطاليا مائتي ألف مهاجر عبر شواطئها أو يزيدون خلال العام الجاري، حسبما أخبرني رئيس الوزراء «ماتيو رينزي» الشهر الجاري في واشنطن، عندما طلب من الرئيس باراك أوباما مساندة أميركية للجهود الأوروبية في التعامل مع تلك الموجات. وتعهد زعماء الاتحاد الأوروبي بإرسال سفن ومساعدات أخرى في قمة يوم الخميس الماضي. وعلى واشنطن الآن إدراك أن من مصلحتها مواكبة مهمة «عزم الأطلسي» التي يقوم بها «الناتو» لمؤازرة دول جوار أوكرانيا، بتدخل الحلف في أزمة حوض المتوسط. وهذا التدخل لنصفه بالعزم المتوسطي سيأخذ شكلاً مختلفاً، ولكنه سيوضح أيضاً أن الأمن لا يتجزأ لجميع أعضاء «الناتو». وتلك القوى التي تدفع اليائسين من إريتريا وسوريا ومالي والدول الفاشلة الأخرى لوضع مصيرهم بأيدي مهربي بشر في ليبيا هي قوى عالمية تتطلب رداً منسقاً من التحالف الأكثر نجاحاً في التاريخ.

جيم هوجلاند*

*كاتب أميركي

يُنشر بترتيب خاص مع «خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا