• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

المغاربة تكيّفوا لعالَم «حديث» واحتفظوا بثقافتهم الأصليّة في آنٍ

لوكليزيو مغربيّاً...

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 08 مايو 2014

كاظم جهاد

ما كان يمكن أن يجد منظّمو دورة المهرجان الأولى هذه كاتباً أكثر تمثيلاً من لوكليزيو لأدب الرّحلات بالمعنى الحصريّ للكلمة، ولحضور السّفر والانفتاح على الآخر في الكتابة عموماً، ولا أشدّ انجذاباً منه إلى المغرب والصّحراء الأفريقيّة، هو الذي جعل من الارتياد المتواتر والعميق لهذه العوالم، مثلما لعوالم الهنود الحمر في أميركا اللاتينيّة، منهلاً رئيساً لنصوصه ومادّة أساسيّة لرؤيته الإنسانيّة التي تقف وراء فوزه بجائزة نوبل للآداب. وليس من قبيل النّادرة التذكير هنا باقتران لوكليزيو بامرأة مغربيّة ما دام وضع بالاشتراك معها أكثر من كتاب. فهي علاقة تنخطّ، كما سنلاحظ، في صلب ممارسته الأدبيّة وعلاقته الروحانيّة بهذه البلاد.

يمكن القول إنّ سيرة الكاتب ذاتها وإرثه الفكريّ العائليّ كلّه كانا يقودانه حثيثاً، وبادئ ذي بدء، إلى هذا العناق وروحانيّةَ الصحراء. ولد لوكليزيو في 1940 في مدينة نيس الفرنسيّة لأبوين موريسيّين من أصل فرنسيّ، بروتونيّ تحديداً، تجنّسا بالجنسيّة الإنجليزية بعدما صارت موريس مستعمرة بريطانيّة. كان الأب غاضباً أشدّ الغضب على الاستعمار، غضب حوّله هو إلى رسالة وإلى منحىً عمليّ، فاختار أن يعمل طبيباً في نيجيريا وأن يعيش في قلب المفازات الأفريقيّة بعيداً عن الأُسَر الأوروبيّة. أمّا والدة الكاتب فقد دفعها الاحتلال النازيّ لشطر من أجزاء فرنسا إلى الإقامة في مدينة نيس، بصحبة والديها وابنيها الصغيرين، حيث عرفوا معاً “البرد والجوع وعمليّات القصف”، هذه المرائر التي وصفها في كتاب حديث العهد: “لازمة الجوع” (2008). وفي غياب الأب في نيجيريا، الذي حُرمَ من فرصة الالتحاق بعائلته أو استقدامها إلى جانبه طيلة سنوات الحرب، تربّى لوكليزيو في ظلّ والدته وجدّته لأمّه، وكان لهما أكبر الأثر في تنشئته الثقافيّة ومحبّته للكتب.

في محاورات عديدة، يصف لوكليزيو الرحلة التي قامت بها العائلة في 1948 إلى نيجيريا لملاقاة أبيه هناك. رحلة بحريّة دامت شهراً ونصف الشهر أمضاها ابن الثماني سنين في كتابة روايتين. وقد عاد إلى هذه الرحلة بعد أربعين سنة ونيّف فاستحضرها في عمل روائيّ عنوانه “أونيتشا” (1991)، حيث تعمّق في فهم أهميّتها التأسيسيّة في تفكيره ومعنى معرفة البحر عن قربٍ وملاقاة الأب والعيش وسطَ الأفارقة. وفي رواية أخرى عنوانها “الأفريقيّ” (2004) يعيد خلق سيرة والده، طبيب الفقراء في نيجيريا، المنحاز لهم والمتشبّث بثقافته الموريسيّة بما يجعله يستحقّ لقب “الأفريقيّ” الذي خلعه عليه ابنه الروائيّ.

وفي غير حوار صحفيّ أُجري في الصّحف الفرنسية مع لوكليزيو بُعَيد عودته من مهرجان “رحّالة مدهشون” في دورته المغربيّة الأولى هذه، ذكّر الكاتب برحلة إلى المغرب قام بها في 1953 بصحبة والده، ينسب إليها هي أيضاً أهميّة تأسيسيّة في تربيته. صرّح بالقول: “عندما كنت صغيراً، جئت لزيارة المغرب برفقة عائلتي. كان ذلك أوّل احتكاك لي بعالَم مختلف وقريب في آن. كان والدي يريد أن يرينا مساوئ الاستعمار فجاء بنا إلى المغرب”. كما أعاد التذكير بدَينه لزوجته المغربية جْميعة (بالجيم الساكنة، أو اجْميعة، تصغير “جَمعة”، وهو اسم للنساء شائع في جنوب المغرب)، التي وضع بالاشتراك معها كتاباً بعنوان “أناس الغمام”، وصفا فيه رحلة قاما بها معاً إلى مسقط رأس الزّوجة وعوالم طفولتها في “السّاقية الحمراء”. وكان مبعث سرور أيضاً أن نعرف من كلام لوكليزيو أنّه، فور عودته من زيارة العائلة تلك للمغرب، كتب باستيحاء منها رواية منحها عنوان “الشّيخ الأزرق” (والتلميح واضح إلى رجال الصحراء الزّرق، أي الطوارق)، لم ينشرها بالطبع كسائر أعمال صباه، ولكنّه كشف عن كونها مكرّسة “لسيرة شيخ يقود تمرّداً على السلطة الاستعماريّة”، وعن كون الكثير من عوالم رواية الصِّبا تلك قد استعاده هو لاحقاً في روايته الكبرى “صحراء” (جائزة غونكور للرّاوية، 1980).

عالَم قديم-جديد

إنّ تصريحات الكاتب هذه لدى عودته من المغرب، بالرغّم من وجازتها، تدفع إلى التساؤل عن البواعث التي جعلت المغرب يحظى بهذا الحضور الواسع في أعماله، وتثير الرغبة في إعمال نوع من الوقفة عند لوكليزيو مغربيّاً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف