• الخميس 07 شوال 1439هـ - 21 يونيو 2018م

صاحب «رجل تحت الصّفر» امتحن إيمانه بالعلم

مصطفى محمود.. طرح الأسئلة والإجابات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 27 مايو 2018

محمد عبدالسميع (الشارقة)

لم يخالف الدين العلمَ يوماً أو يناصبه العداء، ومن هنا فقد وُجدت قضيّة التنوير مستمرةً مع ظهور نزعات بني الإنسان إلى كلّ ما يخالف الفطرة الأصيلة أو يُقحم عليها ما هو ليس فيها، ولذلك فإنّ المفكّر المتأمّل الباحث عن الحقّ جديرٌ بأن يستمرّ أثّرُه، وأن يُقرأ أو يُعاد الاحتفاء به، احتراماً للجهد المبذول الذي يفتح العقول على ما هو أكبر من الانبهار أو التبعيّة العمياء لكلّ فكرٍ ضالٍ أو مضلل.

من العلماء المفكرين، الذين لا نزال نستذكرهم ونستنير بما فتحوه في جانب العلم والدّين والتنوير، الطبيب المصري العلاّمة والمفكر الدكتور مصطفى محمود، الذي دأب على استنطاق المعلومة الصحيحة في ربطٍ محكمٍ وذكي بين العلم والدين، في برنامجه التلفزيوني الشهير «العلم والإيمان»، الذي دخل قلوب المشاهدين العرب بموسيقاه الحزينة المؤثّرة وهدوء صاحبه، وهو يلقي بالأسئلة ويفتح أكثر من مسار للإجابات.

الطبيب المفكر مصطفى محمود (1921 2009)، أنموذج للطبيب الذي قاده علمه إلى التبحّر في قضيّة الحياة والموت والمصير الفيزيائي للإنسان وعالم الروح والمادّة، مثلما درس بذكاء وقوّة معاً مسألة الإيمان، فكان أن أثمر هذا الميدان الواسع الذي قطعه، عن كتابه الذي ألّفه تحت مسمّى «حوار مع صديقي الملحد»، مثلما أودع كتابه «رحلتي من الشّك إلى الإيمان» معطيات أكّدت القوّة الربّانية المسؤولة عن إدارة هذا الكون وتنظيمه، عقب ثلاثين عاماً من القراءة ورصد الحجج والأدلّة، وحين يجيء الرأي من عالم مفكّر، فإنّ في ذلك خدمةً جليلةً لهذا الدين، الذي استولى على الدكتور مصطفى محمود بكلّ فطريّته وأصالته، ليبرع هذا العالم الطبيب أيضاً في الأدب، إذ ألّف كتباً عديدةً استثمر فيها الطب وصيرورة الإنسان لتكون مادّةً رئيسةً لها، مثل كتاب «العنكبوت»، و«لغز الموت» بالرؤية العلمية الفلسفيّة معايناً في صفحات الكتاب موضوع موت الخلايا، ومواضيع اللغز والخيط والزمن والروح، وهي مواضيع شيّقة ضمّنها هذا الكتاب، مثلما ضمّن كتباً أخرى أفكاره حول الإسلام السياسي، وعلم النفس، و«أينشتاين والنسبيّة» الذي بسّط فيه منطلق أينشتاين في هذا المجال ليفهمه القراء على اختلاف مستوياتهم العلميّة والثقافيّة، وتلك مَهَمّة جديرة بالاحترام، لأن يطّلع مثقفنا ومفكّرنا ونطلع معه على علم الآخر ونستفيد منه، أو ندرك آفاقه فنتفاعل على الأقل معه.

شواغل علمية مصطفى محمود صاحب رواية «رجل تحت الصّفر» التي حازت على جائزة الدولة عام 1970، وبالرغم من أنّه تبحّر كثيراً في العلم، وقرأ كلّ الديانات والمذاهب وحشد طائفةً هائلة من الفكر والأدلّة، أخلص كثيراً للعلم والدين، وحينما كان يُسأل عن عالم الجنّ، كان ينصح بالاستعانة بالقرآن الكريم، ويعترف بأنّه لم يفكّر في يوم أن يدخل في هذا المضمار بالرغم من شهيّة الموضوع الكبيرة على المعرفة، إذ ظلّت الطبيعة والفلك وجسم الإنسان شواغل كان يظفر في كلّ رحلة علمٍ معها بالدليل والاستنتاج الممتحن بالروابط العلمية العقلانيّة، ومع كلّ هذا، كانت الغيبيّات موضوع احترام له، حتى وهو يقترب أو يتّصل أو يتشابك مع كثير مما كان يجهله الناس.

الإضاءة على هذا المفكّر العلامة قد تحتاج كلاماً كثيراً حول نشأته وتخصصه العلمي في الطّب واستثماره ذلك للمعرفة وإرضاء غرور الفضول، ولكنّ ما يهمّ كغرض من هذه الإضاءة هو أن نؤكّد قيمة أن يتّصل العلم بالدين وأن «نفكّر» استجابةً لقوله تعالى «أفلا يتفكرون»، و«أفلا يعقلون»، وهذا هو مربط الفرس لدى مثقفينا وعلمائنا اليوم الذين يسيرون وراء الإشاعات وأقاويل الفتنة والدجل والخزعبلات دون حتى مجرّد إعمالٍ للفكر أو للعقل في هذه القضيّة أو تلك، وهو ما يحتاج منّا إلى أن نُدخل في هذه الأفهام المنمّطة والإقصائيّة فكر طبيب عالم مفكّر مثل الدكتور مصطفى محمود الذي قرأ كثيراً وتدبّر فأخلص التدبّر حتى هداه فكره النيّر إلى معرفة الله، والإيمان به إيماناً أكّد الفطريّة الصادقة لهذا الدين الحقّ البيّن دون تشويشٍ أو تضليل، فكم تحتاج المجتمعات اليوم إلى أن يُحترم فيها العقل ويُجلّ فيها الدليل، وأن نسير في سنّة الله التي أودعها للإنسان المكلّف بعمارة الأرض بقوله عزّ وجلّ في كتابه الحكيم «أفلا يتفكرون».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا